الجمعة 2 ديسمبر 2022 م - ٨ جمادى الأولى١٤٤٤ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وجوه الإعجاز البلاغي فـي القرآن الكريم «23»

وجوه الإعجاز البلاغي فـي القرآن الكريم «23»

نواصل الحديث عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم في قضية السكت، وخصوصًا السكت الجائز عند حفص، والسكت الجائز ـ كما يظهر من اسمه الاصطلاحي ـ أنه لا يتعين وحده في القراءة، ولا يتحتم أن يكون حكما واحدا، بل يجوز فيه السكت، ويجوز الوصل، ونقول دائما : إن الإعجاز القرآني في السكت أمرٌ خاص بكتاب الله ـ جلَّ في علاه ـ لا يتحقق بتمامه وجلاله وكماله إلا فيه دون غيره من الكتب السماوية الأخرى، أو أي كتب يكتبها البشر، فكما أن هناك إعجازًا في وصل الكلمات القرآنية، وهو الأصل، فهناك إعجازٌ كذلك في السكتة اللطيفة، ونواصل بيانَ هذا الإعجاز فيما بقي من سكتات جائزة، لا واجبة عند حفص، وهما موضعان فقط، التقاء ختام الأنفال بالتوبة، وموضع في سورة الحاقة، ويأتي لاحقًا بعد بيان الموضع الأول، وهو قوله تعالى في السكت بين سورة الأنفال، ومطلع سورة التوبة وصلا ـ كما في (مختصر ابن كثير، لنسيب الرفاعي ج: ٤، ص: ٤٥٦)، و(مختصر ابن كثير، لنسيب الرفاعي كذلك ج: ٤، ص: ٤٩٢)، ففي آخر (سورة الأنفال، الآية 75)، يقول الله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فهذا الختام يتحدث عن المؤمنين الذين هاجروا وجاهدوا مع الرسول الكريم، والصحب الأبرار، وأنهم من أهل الإيمان، وهم داخلون مع الرسول (عليه الصلاة والسلام)، والجوُّ كلُّه مشبَّع بالعفو، والرحمة، والرضا، ومفعم بالنفحات، والفيوضات، والرحمات، والعطايا، والهبات، ولكنَّ مطلع سورة التوبة يختلف جوُّه تمامًا عن جوِّ ختام الأنفال، فكلُّه براءة من المشركين، وفضح لأعمال المنافقين، واسمُ السورة يَشِي بذلك، ولا بسملة، ولا رحمة نبدأ بها سورة التوبة ـ كما نعلم جميعًا ـ ولها تسميات أخرى كثيرة، مثل الفاضحة، والمقشقشة، وسورة اليَحَالف، وسورة المَنَاهِم، وفيها أوصاف المنافقين الذين غضب الله عليهم، وفيها براءة من أعداء الله، ورسوله، فلا يتناسب معها ختام سورة الأنفال السابقة أن يتواصلا، لأن مطلع التوبة كما تحفظون هو:(بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُون)، فكلها فضح وتأنيب لكل عاص لله ورسوله، وبراءة من كل مشرك، تفضح هؤلاء المشركين والمنافقين جميعا، وتبدأ بالبراءة منهم، ومن عهودهم، وأنه في يوم الحج الأكبر بيَّن الله للحجيج وجوب البراءة من هؤلاء المشركين، وفض العهود معهم، وعلى كل المسلمين أن يتبرؤوا منهم كذلك، لكنَّه سبحانه وتعالى أبقى لهم بابَ التوبة، والإنابة، بسبب رحمته، وجلاله مفتوحًا؛ عسى أن يتوبوا، وينوبوا، ويؤوبوا، ويثوبوا، ولعلهم يحكِّمون عقولهم، ويعودون إلى رشدهم، ويتداركون أنفسهم قبل فوات الأمان؛ ومن ثم جاء السكتُ عند حفص، وهو سكتٌ جائز، وغيره يُوصِل، ولكنه لمح الفارقَ الدلاليَّ بين ختام الأنفال، وابتداء التوبة؛ حتى يقف القارئ هنيهة، أو سكتة لطيفة، أو وقفة تامة بما تتضمنه من النَّفَس (وهو القطع عند علماء الوقف)؛ لانفكاك الجو النفسي بين السورتين، ولتباين دلالة الختام للأنفال مع دلالة الابتداء للتوبة، وحتى لا تحصل القراءة، والوصل بين المتضادات، والمتخالفات في الدلالة، فاختلاف الختام مع المطالع جعل علماء الوقف يوضِّحون ضوابط التلاوة، وقواعدَ الختام مع قواعد البدء، وهي لفتة جميلة، تتناسب مع طبيعة الدلالة في ختام السورة، وطبيعة الدلالة مع بدء السورة التي تليها، وأن الجوَّ النفسيَّ قد اختلف تمامَ الاختلاف، وأنه قد تعاكس المعنى بينهما.

* د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة – جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap