الأحد 5 فبراير 2023 م - ١٤ رجب ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / أضواء كاشفة: مطلوب عولمة إسلامية عربية
أضواء كاشفة: مطلوب عولمة إسلامية عربية

أضواء كاشفة: مطلوب عولمة إسلامية عربية

الاجتماعات الأخيرة للجان الدائمة للبرلمان العربي التي عقدت بمقر جامعة الدول العربية بالعاصمة المصرية القاهرة أقرَّت مقترحا عُمانيا غاية في الأهمية حول “مشروع قانون لحماية قِيَم الأسرة العربية، والذي قضى بإيجاد قانون استرشادي عربي لحماية الأسرة العربية وقِيَم ومبادئ الدول العربية والإسلامية مما يحصل لها من غزو فكري ممنهج باتفاقيات تحت غطاء الحرية وحقوق الإنسان والمرأة”.. فالمتتبع للواقع المعاش يجد أن مجتمعاتنا العربية تواجه حربا شعواء على شبابها للإطاحة بأخلاقياتهم والنأي بهم عن جادة الصواب والطريق المستقيم.. ونرى ذلك جليا في أساليب الغزو الفكري لطمس الهُويَّة الأصيلة التي تتبعها وسائل الإعلام والاتصالات المختلفة تحت مُسمَّى العولمة والتشجيع على التطور والتحضر والتي تهدف في النهاية لإلهاء أفراد المجتمع، وإبعاد الشباب عن قِيَمهم وأخلاقياتهم النبيلة ولغتهم الجميلة.
إن ديننا الحنيف أول ما دعا إليه هو التمسك بالأخلاق الكريمة.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وقد أوضح لنا كيفية التصرف في المواقف المختلفة ومراعاة حُسن الخُلق في التعامل مع الآخر وحث على الصدق والأمانة وحرم الكذب والخيانة والنفاق، وغيرها من المبادئ السامية التي سار عليها الآباء والأجداد ونتمنى أن يسير عليها الأبناء.
نحن نعلم أن الحفاظ على القِيَم والعادات والتقاليد الأصيلة أصبح صعبا في عصرنا الحالي نظرا لما يشهده العالم من تطور في وسائل الاتصال من فضائيات وإنترنت وخلافه، والتي جعلت الكون قرية صغيرة تسقط الإبرة في أقصى يساره فيسمع صدى صوتها في أقصى يمينه، فجميع من يعيش على البسيطة أصبحوا يتواصلون بعضهم مع البعض ويتعرفون كل منهم على عادات الآخر وأفكاره، وبالتالي التأثر بها ومحاولة تقليدها بدعوى التطور والتحدث والذي يكون متعمدا في أحيان كثيرة من الطرف الآخر من أجل تفريغ الشباب من محتواهم الأصيل وجعلهم صورة مسخا من الآخر بلا هُويَّة أو معالم واضحة.
إن الغزو الفكري ومخططات طمس الهُويَّة بما تبثه من مضامين إباحية وأفكار منحرفة تضرب الانتماء للوطن في مقتل، حيث تهدف إلى إلهاء الشباب عن مسؤولياتهم تجاه أوطانهم في التنمية والتعمير والبناء والرُّقي ساعدهم في ذلك ما يشعر به معظم الشباب من فراغ، إلى جانب غياب القدوة وضعف السلطة الأبوية في التربية، وهو ما يتطلب تكاتف جميع قوى المجتمع من الأب والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها من أجل توعية الأبناء بما يتعرضون له من تحدِّيات كي يحيدوا عن الطريق الصحيح.
يجب على شبابنا أن يعلموا أن القِيَم الدينية الأصيلة تحمل في مجملها الأمن النفسي والطمأنينة الروحية. من هنا فإن مجتمعاتنا العربية أحوج ما تكون للرجوع إلى القِيَم الأصيلة والأخلاق الكريمة، فهي صمام الأمان لأي مجتمع؛ كونها تحفظه وتضمن له الترابط وتعمل على بقائه قويا متماسكا، لذا يجب على الشباب التمسك بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، وعدم الانسياق وراء مخططات فصله عن مجتمعه ووطنه، واستغلال التقنيات الحديثة في نشر القِيَم الصحيحة والأخلاق الحميدة العظيمة وبما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع والخير.
كذلك على قنوات الفكر ووسائل الإعلام ومؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية وغيرها من روافد المعرفة في عالمنا العربي والإسلامي أن تقوم بدورها في بناء طفل اليوم ورجل المستقبل.. كذلك على الأب أن يكون قدوة لأبنائه في القول والسلوك، وأن تُسهم الأُم في تعليم أبنائها قِيَم العدل والفضيلة والأخلاق وتقويم سلوك الأبناء وحمايتهم من الشرور والرذائل.
إن العولمة كما أنها تُمثِّل خطرا وتحدِّيا فإنها أيضا تُمثِّل فرصة لتطوير الذات العربية والإسلامية من خلال الانفتاح والاحتكاك الفاعل والتفاعل النشط الذي نستطيع من خلاله أن نحقق التميز الحضاري.. وكما أن العولمة تُمثِّل غزوا اقتصاديا ثقافيا حضاريا لكن بها بعض الإيجابيات، إذ ساعدت على التقدم العلمي وأسهمت ـ بخاصة في مجال الاتصالات ـ في تقارب المجتمعات العربية.. فيجب أن ينتقل المسلمون والعرب من حالة التأثر إلى حالة التفاعل النشط المؤثر وذلك لتكوين منظومة متوازنة نحفظ بها الخصوصية الحضارية والقيمية الإسلامية، ويتوافر فيها القدرة على الاستفادة من الخبرات والقِيَم الإيجابية عند الآخر وتكون المواجهة باستحداث عولمة إسلامية وتحديدا بصياغة موقف عام إسلامي يتسم بالوسطية بما يثمر صيغة محسنة من العولمة.
إن هناك ثوابت في العقيدة وثوابت في القِيَم والأخلاق لا تستطيع العولمة اختراقها كلما تمسكنا بثوابتنا وما دامت راسخة في عقولنا وقلوبنا، ولكن المهم هو كيفية الاستخدام والاستفادة، فالإنسان كلما كان قويا من الداخل ثابتا وراسخا في مبادئه وأخلاقياته وعقيدته لا يمكن أن تؤثر عليه الظروف الخارجية.. وسوف نستطيع أن نتغلب على التحدِّيات التي تواجه الأمَّة في العصر الحاضر بتضامننا وتوحيد جهودنا لحل مشكلاتنا والانطلاق بأُمَّتنا نحو بناء مستقبل مشرق لأجيال الحاضر والمستقبل.
✱✱✱
منذ سنوات أقيم على شرف بطولة كأس العالم لكرة القدم مسابقة أخرى كانت مفاجأة من نوعها وهي مسابقة أو بطولة للفوز بكأس العالم لكرة القدم للأدباء الذي كان يُعد وقتها تشجيعا أدبيا للرياضة.. فقد تنافس أدباء من أربع دول أوروبية قبل أيام من انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2006 في ألمانيا للحصول على لقب الفائز في كأس العالم لكرة القدم للأدباء في مدينة بريمن الألمانية، حيث أقام الأدباء الدورة الثانية لكأس العالم للأدباء تحت شعار “قصيدة لكل هدف”.. وكانت هذه هي المرة الثانية التي تقام بها بطولة الأدباء لكرة القدم بعد الدورة الأولى في إيطاليا عام 2005.. وكانت الدول التي شاركت في هذه المسابقة هي ألمانيا وإيطاليا والسويد والمجر في “المختارات” الشعرية والأدبية.. وجرت المباريات وتخللها المحاضرات والندوات والقراءات الشعرية على ملعب مدينة بريمن بحضور حشد من الكتاب والأدباء والفنانين المشجعين.
بالطبع هذه الفكرة جديدة من نوعها، وفي رأيي أنها كانت فكرة جيدة جدا ونتمنى أن تطبق بين الحين والآخر، خصوصا في المناسبات التي ينتظرها الكثيرون مثل البطولات العالمية؛ لأنها تنمي الثقافة وتشجع الرياضة في آن واحد، فمن الجميل أن يجمع الإنسان بين الثقافة والرياضة فتتوافر له صحة الجسم وصحة العقل؛ لأن ربط الرياضة بالأدب شيء جميل، فكما أن الرياضة صحة للجسم وتعلمنا تقبل المكسب والخسارة بروح عالية.. فإن في الأدب ما يغذي الروح وينقي النفس ويهذبها أيضا.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap