الجمعة 9 يونيو 2023 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فروق لغوية فـي كلمات قرآنية «الْأَبُ والْأَبُّ وأبَى وأبِي»

فروق لغوية فـي كلمات قرآنية «الْأَبُ والْأَبُّ وأبَى وأبِي»

في هذه المقالات المتتابعة في هذا الشهر المبارك نحاول أن نبين وجوًها من وجوه إعجاز القرآن الكريم في كلماته، ونبيِّن الفروق اللغوية بين كلماته بعضها بعضًا، ونرصد أوجه البيان فيها؛ لنعيش جمالوجلال وكمال قولهتعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).
ونبدأ بقول الله تعالى:(وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (عبس ـ 31)، ومجيء كلمة (الأب)بمعنى في مواضعَ، وبمعنى آخرَ في مواضع أُخَر، ونقف على دلالاتها اللغوية المعجمية؛ لنرى طبيعة النص القرآني، وما به من بيان، وكمال، وإعجاز، وجلال.
(الأبُّ)(بتشديد الباء) هو كلُّ مرعًى مُتَهَيّئٍ للرعي، والجز، والقطع، قالوا في فعله:(أبَّ فلانٌ لكذا: إذا تهيأ له، أبًّا وإبابة، وإبَابًا، وأبَّ إلى وطنه: إذا نزع إليه نزوعًا، بمعنى تهيأ لقصده، والمسير إليه، والعودة للعيش فيه)، ومن هنا فإن عبارة (أبَّ فلان) التي نعدُّها عاميةً أو لغةً دارجة هي في الحقيقة فصيحة، أيْ ظهر، وتأهب للظهور، ولفعل شيءٍ ما.
أما الأبُ(بتخفيف الباء) فهو الأب، والوالد، ويطلق الأبُعلى كلِّ من كان سببًا في إيجاد شيء، أو إصلاحه، أو إظهاره، قالالله تعالى في حق الرسول الكريم:(النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم..)،وفي بعض القراءات:(وهو أبٌ لهم)، وروي في الحديث الشريف عن على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه:(أنا وأنت أَبَوَا هذه الأمة)، ويسمَّى العمُّ مع الأبُ أبوين، وكذلك الأبُوالجد أبوين، وتسمَّى الأمُّ مع الأب أبوين، ويسمَّى معلم الإنسان كذلك أبًا لمن يعلمه؛ وذلك لاتساع مدلول الأبوين في لغة العرب، وقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم.
وأصل (الأبِ)(أَبَو) بوزن (فَعَلٌ)، حذفت لام الكلمة؛ لكثرة الاستعمال، فكانت (أب) بوزن (فع)، والدليلُ على أن الواو هي المحذوفة ورودُ المثنى بالواو؛ لأن التثنية مما يَرُدُّ المحذوف إلى أصله:(أبوان وأبوين)، والفعل منه (أبو)، يقال:(أبوْتُ القومَ: كنت لهم أبًا)، مثل:(أبوتُهم وأممتُهم): صرتُ لهم أبًا وأمًّا، و(فلان يأبو بَهْمَهُ): يتفقدهم تفقدَ الأب رعايةً، وحنوًّا.
أما (أبَى) بألف القصر، لا بالياء، فمن الإباء، وهو شدة الامتناع، والتأبِّي، والرفض، ومصدرها إباءً، ومنها:(ويأبى الله إلا أن يتم نوره)، ومنها:(وتأبى قلوبهم)، ومنها:(إلا إبليس أبى واستكبر..)،وفي الحديث الشريف:(كلكم يدخل الجنة إلا مَنْ أَبَى..)، و(أنت أبَيْتَ الضيم تأباه) أي: ترفضه، ولا تقبله.
ومدلول (أبي) بالياء المنقوطة التي هي ياء المتكلم، وهي عبارة عن كلمتين الأولى (أب)، والثانية ياء المتكلم، أو ياء النفس التي أضيفتْ إلى كلمة:(أب)، نحو:(إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)، ونحو:(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، ونحو:(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)، فيتعين لدينا أربع كلمات بأربعة مدلولات متباينة، هي: مدلول (الأبِّ) مشدَّد الباء، ومدلول (الأبِ) مخففها، ومدلول:(أبَى) فعل ماض، وهو الفعل الذي بمعنى الرفض؛ عزة وأنفة، ورفضًا للظلم، ومدلول (أبي) بالياء المنقوطة التي هي ياء المتكلم، وهي عبارة عن كلمتين الأولى:(أب)، والثانية ياء المتكلم، أو ياء النفس التي أضيفت إلى كلمة:(أب).

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة – كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap