الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ


هوكون غولفوك رسام نرويجي يتخذ من غزة محوراً لرسوماته .. ركز على أطفالها بشكل أخص ، الزميل سالم الرحبي يطوف بنا في زيارته لمعرضه "الأرض المقدسة" في قصر الأونيسكو في بيروت يحدثنا عن العالم المغاير الذي تسكنه تلك الرسومات في المعرض الذي يمكن تلخيصه في كلمة واحدة هي "القسوة"، قسوة الصهاينة تجاه أطفال غزة المحاصرين، والمجوعين، والمقطوعين عن العالم، بجلافة عقلية السلاح، وهمجية المحتل ، والعرض يصور مجازر الصهاينة هناك .. تبدو ألوان لوحات "هوكون" معكوسة ، فالألوان القاتمة في أعلى اللوحة، والفاتحة في أسفلها، كأن السواد يضغط على اللوحة، لينزل بثقله على كل بصيص أمل.
ومن بيروت وليس بعيدا عن فلسطين يكتب في هذا العدد الكاتب والإعلامي الفلسطيني زياد جيوسي عن رحلة سيكون معظمها سيراً على الأقدام، وهي بعض من فعاليات مهرجان الربيع من برامج جمعية الروزنا، في رحلة تجوال في بعض المناطق القريبة من بيرزيت للتعرف إلى الوطن والطبيعة ومعانقة التاريخ ، ومجموعة من أبناء بيرزيت من أصحاب البيوت والأحواش في البلدة، إضافة إلى أصحاب خبرات في مجالات مختلفة مهتمين بتنمية البلدة القديمة بشكل خاص والريف الفلسطيني بشكل عام ، لإحداث تراكم تنموي للريف من خلال دراسات وفعاليات ونشاطات لإعادة تأهيل وإحياء التراث المعماري والحرفي، بهدف المحافظة على ميراثها الثقافي والمعماري ، ويروي "جيوسي" رحلته بدءا من دروب رام إلى بلدة بيرزيت بكافة التفاصيل الشيقة.
وفي العدد تثير الكاتبة أمامة بنت مصطفى اللواتية (المحاضرة بقسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس) فضول الطفل حول أحداث قصصها، بتمهيد يفتح أسئلة في ذهنه، فترافقه أثناء قراءته ، فهي تعمد إلى توجيه قصص لشريحة من الأطفال لا يمارسون الفعل القرائي . أمامة اللواتية التقاها "أشرعة" حول أدب الطفل، وتجربتها الأولى فيه بمزيد من التفاصيل في حوار اجراه الزميل إيهاب مباشر.
وتفاعلاً مع الاستطلاع الذي نشرناه في "أشرعة" عن قصص الأطفال التي تفرض سطوتها على المشهد الأدبي ، تجيب القاصة ليلى البلوشية في هذا العدد على سؤال لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل..؟! مشيرة إلى أن القصة القصيرة مصدر أدبي تثقيفي مهم جدا للطفل لتنمية جوانب السرد لديه، ويشكل جنبا إلى جنب مع الشعر ثنائيا رائعا محببا لقلوب الأطفال.. ولكن ما الذي جعلهما أعمدة أدب الطفل..؟! ، مشيرة إلى ان القصة في بعض الأحيان كثيرا ما تحل محل الكتاب المدرسي الذي يرفّه عن الطفل ، بل هو مهربه الوحيد المتوفر أمام الطفل كوسيلة تسلية ولعب بموافقة الآباء ، وتتناول "البلوشية" الكثير من أطروحاتها ورأيها في سياق موضوعها المنشور في هذا العدد.
وفي العدد زوايا متنوعة تتناول بعض الأصدارات الأدبية الحديثة ، وقراءة في أفلام سينمائية قدمتها هوليود هذا العام ، إضافة إلى تواصل المبدعين من السلطنة في مختلف صنوف وأدوات الكتابة الأدبية.

المحرر

أعلى




تنظمها الجمعية العمانية للفنون التشكيلية وسبلة عمان
شعراء وتشكيليون يقدمون إبداعاتهم "من أجل عمان" في مكتبة البوردرز ... اليوم

"من أجل عمان" عنوان اختارته الجمعية العمانية للفنون التشكيلية وموقع سبلة عمان الإلكتروني ليكون شعار لأمسيتها التي ستقام اليوم في مكتبة بوردرز بمسقط سيتي سنتر تضامنا مع المتضررين جراء الأنواء المناخية الأخيرة ، وستقام الأمسية تحت رعاية الدكتور عامر الرواس الرئيس التنفيذي للشركة االعمانية للاتصالات ، حيث من المؤمل أن يشارك في الأمسية الشعراء عبدالله حبيب وسماء عيسى ، وفي الشعر الشعبي كل من الشعراء أحمد البلوشي وعبدالرحمن الخزيمي ، كما سيقرأ سماء عيسى في الأمسية مقالا وثائقيا وشهادة حول الحدث إضافة إلى نصوصه.
وحول الأمسية قال موسى الفرعي مدير موقع سبلة عمان: ان الأمسية تهدف إلى تأصيل الشراكة مع المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل المساهمة في تفعيل دور المجتمع بكافة أشكاله ، ولا شك ان الجانب الأدبي والتشكيلي احد أهم هذه الأشكال. ويضيف "الفرعي" : من المؤمل ان تقدم الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ثلاثين لوحة لعدد من الفنانين ، كما ستقدم الكلية العلمية للتصميم خمسة عشر لوحة سوف يتم عرضها اثناء الأمسية للبيع وسيذهب ريعها لإحدى الجمعيات الخيرية المعنية بالمساهمة لمتضرري الأنواء المناخية الأخيرة.
ويشير مدير موقع سبلة عمان إلى أنه تم الاشتغال إعلاميا بشكل مبكر جدا لمنح الفرصة للراغبين في المساهمة ، كما تم تقديم الكثير من الدعوات للكثير من الاسماء الدوبلوماسية بالسلطنة إضافة إلى المهتمين من الكتّاب والأدباء والجمهور عموما ، كما تم إرسال رسائل نصية قصيرة عبر الهواتف باللغة الإنجليزية للجالية الأجنبية المقيمة في السلطنة لإشراكهم في هذا الواجب الإنساني الجميل.


أعلى





لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل..؟!

القصة القصيرة مصدر أدبي تثقيفي مهم جدا للطفل لتنمية جوانب السرد لديه، ويشكل جنبا إلى جنب مع الشعر ثنائيا رائعا محببا لقلوب الأطفال.. ولكن ما الذي جعلهما أعمدة أدب الطفل..؟!
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القصة في بعض الأحيان كثيرا ما تحل محل الكتاب المدرسي الذي يرفّه عن الطفل ، بل هو مهربه الوحيد المتوفر أمام الطفل كوسيلة تسلية ولعب بموافقة الآباء ؛ فهم يطمحون بأن يكون أطفالهم على درجة من الذكاء ، وعلى قدر من المعرفة والثقافة ، وهم على إدراك تام أن ذلك لن يتأتى إلا من خلال توفير قدر من الثقافة المتوفرة لتحقيق هذا الأمل المرجو ، لهذا تكون القصص المنشورة هي بديل يقدمه الكبار لصغارهم من أجل تثقيفهم ، فبما أن الطفل يهرب من كتبه المدرسية ، إذن لا حل في رفع مستواه الفكري ، إلا من خلال ما ينشر لهم من فنون السرد والشعر..
ولا عجب إذن أن تحتل فنون القصة والشعر المراكز الأولى من أهمية للطفل ، فهو لا يوفر ما يريده بنفسه بل رغبات الكبار هي التي تفرض عليه ما ينبغي قراءته ، وهنري ميللر من الكتاب الذين أدركوا هذا الجانب حين حكى عن طفولته مع الكتب قائلا: "الكتب التي يقرأها المرء وهو طفل مفروضة عليه، محظوظ الطفل الذي لديه أبوان حكيمان"..
وبما أن القصص يمكن توفيرها بسهولة بغض النظر عن جودتها ، والشعر الغنائي تبرعت بعض قنوات الأطفال المذاعة للأطفال في انتشاره بينهم ، ولعل أشهر تلك القنوات هي "الجزيرة للأطفال ، وmbc3 ، وطيور الجنة، وبراعم، ونيكولوديا، واسبيس تون...الخ" ، مما لا شك فيه أن الفضل يعود لمعظم هذه القنوات في إرساء شعر الأطفال وتمريره بشكل سريع بين هذه الفئات ، مع الإشارة إلى أن الطفل حين يمارس هذه الفنون يمارسها بجهد فردي ، فالآباء لن يضطروا حين يقدموا لطفلهم الذي يجيد القراءة والكتابة قصة بتبديد أوقاتهم لقراءتها له ، ولا أن يقضوا ساعات طويلة أمام التلفاز مع أطفالهم وهم يستمعون للأناشيد المطروحة ، لهذا كانت القصة وكان الشعر بديلا سهلا التوفر وخاضعان لشروط يريدها الكبار..!
بينما مسرح الطفل وسينما الطفل ظلما في منظومة رغبات الكبار؛ نتيجة حاجة هذين الفنيين إلى تكاتف الكبار مع صغارهم ، فالمسرح له مكان خاص يذهب إليه الصغير كي يشاهد ما يعرض على خشبته ، وكذا الحال مع السينما ، فهل الكبار سيخضعون لصغارهم حينئذ في عصر تسبقه مبرراته..؟!
في العام الماضي ضمن فعاليات الملتقى الأدبي للشباب في البريمي 2009م عرضت ضمن جدولة هذه الفعاليات مسرحية للأطفال للكاتبة "حصة البادي" ، ولكن حين حضرنا لم نجد إلا عددا ضئيلا جدا من الأطفال للأسف..!
وهذا حال معظم مسارح الطفل في معظم الدول العربية ، باستثناء حين عرض على مسرح الطفل في الإمارات شخصيات "أم خماس" على مسارحهم بعد أن كانت شخصيات كرتونية في التلفاز ، اكتظت مقاعد المسرح حتى لم يجد الجمهور مكانا لموطئ قدم ؛ والسر ليس في اهتمام الكبار لرغبات أطفالهم بقدر اهتمامهم برغباتهم الشخصية ؛ لأن هذه الشخصيات حصدت قدرا كبيرا من الشهرة وغدت محبوبة بحيث ناهضت حافز الكبار قبل الصغار لمشاهدتها..!
هنا نشير إلى التظلم الذي يتعرض له الطفل العربي في كل مكان ، فهو طفل خاضع لقوانين الكبار ورغباتهم..!
وهل هناك وعي كاف من المجتمع ناهيك عن دور المدارس الحكومية للأطفال..؟!
قلة من يعي أهمية أخذ الطفل للمسرح وأقول "أخذ" عوضا عن "ذهاب" ؛ لأن الطفل عاجز عن الذهاب بنفسه والكبار هم من يقومون بهذه المهمة ، وأهمية السينما لما يوفره من فنون جديدة تساهم بشكل جدي في ارتقاء العقل ؛ فهي فنون تحاكي البصر والسمع وتدعم أخيلتهم بشكل ايجابي ، ولكن الوعي المجتمعي ما يزال قاصرا عن أهمية كل هذا ، وهذا القصور امتد إلى مدارس الأطفال ، ومن ثم إلى بيوت الأطفال.. أوليس من الضروري على المجتمع أن يوسع حلقات اهتمامه بالطفل في إرساء أهمية المسارح لدى هذه الشريحة ، هذا إلى أهمية دور المدارس في توفير مسرح لهم ، فمعظم المدارس لا تولي أدنى أهمية بتثقيف هذا الجانب عند الطفل ، بل بعضهم يرى أن في هذا مضيعة للوقت وللحصص الدراسية ، ولعل المعلمين لا ذنب لهم حين لا توفر المدرسة فسحا لإرساء مثل هذه الفنون ، في المقابل ترى المدارس إلى أن التقصير ليس منها ؛ لأن هيئات وزارة التربية والتعليم أقصى ما يهمها هو سير على خطط جدولة المناهج التدريسية..!
بل إن معظم الأنشطة المطروحة للصغار هي نفسها درجت عليها الأجيال السابقة ، ويبقى التجديد فقط قاصرا على المناهج الدراسية ، متناسية هذه الهيئات أهمية الفنون الأخرى من الرسم واللياقة البدنية والمسرح والسينما وصحافة الطفل إلى أن تكون وسائل تطبيقية تساهم بشكل ايجابي كبير في تخريج جيل طفولي بنّاء يساهم في نهضة الوطن..
فإذا كان الأمر كذلك ثمة بدائل أخرى لغلق باب الأعذار ، فالمدارس من المفروض حين يتناهى إليها وجود عروض مسرحية مقدمة ، عليها أن تسعى إلى اقتناص هذه الفرص ، بتدعيم رحلات تشجيعية لمشاهدة عروض هذه المسارح من خلال استدعاء الصغار من مدارس مختلفة لهذه الفعاليات ، فهي في النهاية مقدمة لهم ، كمنهجها التشجيعي الذي تتبعه في تنظيم رحلات للطلبة إلى معارض الكتاب التي تقام في كل عام ، وبهذه الطريقة سننمي عند الطفل في هذه المرحلة المتقدمة من حياته أهمية وحب فن المسرح وضرورته ، وهذا يحقق عدة فوائد ، لعل من أكثرها أهمية هو تشجيع ممثلي مسرح الطفل وعروضهم وتحسيسهم باهتمام المجتمع لما يقدمه ؛ فهنالك متابعين لهم من الصغار والكبار على حد سواء ، وهذا التحفيز بدوره ينشّط من الحركية المسرحية على ساحة الطفل في تقديم عروض على درجة من الأهمية والجودة وتفعيل أنشطتهم في هذا الجانب ككل ، بل إن استيعاب الطفل لهذه الحالة الحضارية وتعويدها عليها في كل مرة قد يجعله ناقدا لما يقدم له من عروض .. ومن جانب آخر يمكن أن نتساءل: لماذا لا يسع الكبار في مسرح الطفل إلى تشكيل فرق مسرحية ، تقوم بعرض مسرحياتها على خشبة مسرح الطفل في المدرسة ، وهذا التساؤل هو دعوة بمثابة اقتراح قابل للتنفيذ من قبل لجان مسرح الطفل بالاتفاق مع المدرسة..
بينما سينما الطفل ، فهو غالبا منسي في عقلنة الطفل العربي ، وليس هذا من الدهشة في شيء ؛ فنظرة بعض الآباء قاصرة له ، فهم يرون إلى اليوم بأن السينما فن معيب ويعرض ما يخدش للحياء ، وهذا خلق نوع من التخوف بين تلك العقليات المسطحة التي يتسرب إليها بسهولة كل ما يتناهى إليها ، وأشدد هنا إلى أهمية دور المدرسة في تحسين هذه النظرة ، واستبدالها من خلال توفير فرص للصغار بارتياد هذه الأماكن ؛ كي يكون فنا كأي من الفنون المطروحة له .. فكيف يريدون إنشاء جيل من ممثلي المسرح والسينما على درجة عالية من الموهبة وهذه الفنون مذ نعومة الصغار مفقودة ، بل تعد فنونا جديدة بالنسبة لهم ، لم يتعودوا عليها ، ولن يتقبلها معظم الناس كمواهب يمارسها أطفالهم رغم أصالة المبدأ..؟!
إذن فلنعوّد صغارنا على فنون جديدة ؛ لنخلق عقولا جديدة مسايرة لروح العصر ، مع التشديد على أهمية جودة ما يقدم له ، إلى جانب أهمية توفير قدر من الحرية للطفل في اختيار ما يريد دون تدخل من الكبار أو فرض رغباتهم عليه ، و هي من أبسط حقوقه لتكون له كينونة مستقلة .. ولا ننس قط إلى أن أطفالنا في دول الخليج العربي ، يعيشون في أجواء صحية ومستقرة على كافة الأصعدة ، وذلك كفيل بحد ذاته في خلق سمو فكري سليم..
ليلى البلوشية

أعلى






في معرضه "الأرض المقدسة"
هوكون جولفوك.. دماء الطفولة تبحث عن الإنصاف

زاره في بيروت ـ سالم الرحبي:
"الأرض المقدسة"، عنوان المعرض الذي يقيمه الرسام النرويجي هوكون جولفوك في قصر الأونيسكو في بيروت، من 8 يونيو حتى 8 يوليو المقبل.
هوكون يتخذ من غزة محوراً لرسوماته، وركز على أطفالها بشكل أخص، ويمكن تلخيص المعرض في كلمة واحدة هي "القسوة"، قسوة الصهاينة تجاه أطفال غزة المحاصرين، والمجوعين، والمقطوعين عن العالم، بجلافة عقلية السلاح، وهمجية المحتل، ويصور مجازر الصهاينة هناك.
تبدو ألوان لوحات هوكون معكوسة. الألوان القاتمة في أعلى اللوحة، والفاتحة في أسفلها، كأن السواد يضغط على اللوحة، لينزل بثقله على كل بصيص أمل، أو كوة فرح.
الأطفال في المجمل لا يظهرون إلا من وراء نوافذ محاطة بما يشبه قضبان السجن، ومن خلفها تظهر الكرة الأرضية، في إشارة الى ان العالم يتفرج على ما هو حاصل، من دون أن يحرك ساكناً تجاه المحتل الغاشم. وفي إشارة الى ان ما يحصل في غزة هو على مرأى من الجميع، وبصلافة صهيونية عجيبة، يتحدى فيها المحتل أعراف العالم وقوانينه.
الخوذات العسكرية حاضرة بكثرة في لوحات هوكون، وإن غابت ملامح وجوه الجنود، فهي تجسيد لإحاطة غزة بآلة الحرب الصهيونية. كما تظهر الخوذات في احدى اللوحات وهي تمطر من السماء على أرض غزة المحاصرة، وتظهر صلافة التعامل على حد سواء مع البشر والحيوانات، حيث تظهر الأخيرة وهي ضامرة وشبه مهترئة، فيما يظهر احد الجنود وهو يعامل احدى الحيوانات بقسوة كبيرة، تعكس مدى الهمجية في التعامل مع كل شيء.
في بعض لوحات هوكون تستحيل الوجوه دوائر، في إشارة إلى أن هناك من يعاني على أرض غزة، ليس المهم من هو، وكم عمره، ولكن المهم انه انسان، يتعذب جراء الحصار، والتجويع، والقتل البطيء. حتى الأحلام في لوحات هوكون هي أحلام كابوسية تحمل في خلفيتها الموت والدمار، حيث تجسد احدى اللوحات مشهداً حلمياً، وتظهر في الخلفية الحمائم والطيور، في إشارة إلى الحرية، لكنها مسيجة بسياج حديدي سميك، فيما يحيط بها الدمار والدماء من كل صوب.
في لوحة أخرى تظهر سفينة تسبح في بركة دم، في إشارة الى ان كل ما على أرض غزة يتعذب، ويعاني، حيث تجسد السفينة هنا سفينة النبي نوح، التي حملت كل أشكال الحياة على ظهرها، مع فارق ان سفينة هوكون ـ وهي غزة ـ لم ينج منها أحد، حيث جميع من عليها هالك، او في طريقه للهلاك.
الاسطورة حاضرة لدى هوكون أيضاً، حيث الفارس يمتطي صهوة جواده، لكن هذا الجواد يبدو ضامرا، ومتعبا، وفي الوقت نفسه يعتلي رأس جواد آخر مبتور الجسد، يسبح في فراغ مبهم، تحيط به الألوان الليلية "الأسود والأزرق".
أطفال هوكون، وإن بدوا نائمين في كل اللوحات، إلا انهم كبار الحجم مقارنة بفضاء اللوحة، لتقريب صورهم للمتلقي، بهدف اعطاء المعنى التحريضي ضد الممارسات الصهيونية. كما تبدو عليهم الابتسامة والرضى، في إشارة الى اطمئنانهم على ما يخلفونه من رهبة في قلب القابعين أعلى رؤوسهم، ببنادقهم المصوبة.
في إحدى اللوحات يجسد هوكون إحدى المجازر التي ارتكبها الصهاينة في حق غزة، حيث الجثث والأشلاء والجماجم متناثرة، والدماء تغطي أرضية اللوحة، فيما نجد البنادق المصوبة والجنود المدججين بالسلاح وهم واقفين على مكان مرتفع، في إشارة الى ان المحتل يمارس غشامته وصلفه بكل تكبر، ولاانسانية.
كما يبدو الجنود في لوحة اخرى، وهم يرفعون علم إسرائيل، واقفين على جماجم وجثث، بألوان متنافرة في جزئي اللوحة العلوي والسفلي، يصعدون على كل تلك الجثث ليرفعوا علم المحتل على تلة من الجثث.
كما تبدو خوذات الجنود صلدة في مقابل رهافة وليونة جثث الأطفال، وتبدو بنادقهم حادة كالسيوف، وأكف الأطفال عريضة واسعة، في إشارة ربما يرنو من خلالها الفنان إلى إعطاء بُعدٍ لضيق أفق الجلاد، مقابل سعة البراءة والأحلام الواسعة، التي تبحث عن الانصاف ولو بالريشة.
في الكتيب المصاحب للمعرض يظهر الفنان هوكون جولفوك، وهو يرسم إحدى لوحاته على جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل، مؤكداً بذلك موقفه تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وتجاه الهمجية الصهيونية في قتل البشر والشجر والحيوانات، وفي إدانة واضحة لكل الممارسات الصهيونية على أرض فلسطين.


أعلى




يسعدها شعور الطفل بالألفة والدفء عند قراءة حكاياها
الكاتبة أمامة اللواتية لـ"أشرعة": مراقبة عالم أبنائي والاطلاع على أدب الأطفال جذبني للكتابة إليهم
الحديث عن مشهد محدد لأدب الطفل في السلطنة يحتاج لبعض الوقت
نجاح الطفل في قراءة قصص استمع إليها مسبقا يشعره بالبهجة
أمارس فنونا أدبية مختلفة فأوظفها لكتابة لغة وأسلوب مشوق للطفل
ضحيت بالكلمة الفصحى في إحدى قصصي لإقناع الطفل بمضمونها
ترجمة قصص الأطفال تفقدها قوتها
على المكتبات العامة السعي لجني أرباحها الفكرية بأسلوب يجذب الطفل لأحضانها

حاورها - إيهاب مباشر:
'' تثير فضول الطفل حول أحداث قصصها، بتمهيد يفتح أسئلة في ذهنه، فترافقه أثناء قراءته .. تعمد إلى توجيه قصص لشريحة من الأطفال لا يمارسون الفعل القرائي؛ فيستمتعون بحكايات أمهاتهم .. لا تمانع وجود كتاب مختلفين ضمن سلسلة واحدة، بشرط وجود أفكار عامة تربط بين هذه القصص، وأسلوب كتابة متقارب .. لا تفضل الترجمة في قصص الأطفال، ولكنها تفضل كتابة النص ذاته بلغتين مختلفتين .. تؤمن بأن البحث والتفكير والقدرة على ابتكار الجديد دون الإخلال بالأسس، هو جزء من عملية الإبداع .. تحب أن تحتوي قصصها، على لمسات من الآداب الإسلامية والأخلاقيات العامة .. ترى أن أسلوب الكتابة للطفل ينبغي أن يكون منوعا، بين الترفيه والتسلية والابتكار وإثراء خياله وإضافة شيء من المعرفة إليه .. تعد لمشاريع موجهة للطفل في مراحل عمرية مختلفة، تسعى إلى أن ترى النور، وتتمنى إنجاز شيء مميز ومختلف .. ليسانس صحافة وإعلام من جامعة السلطان قابوس .. ماجستير في الاتصال والعلاقات العامة، جامعة ويست منستر، لندن .. تحضر للدكتوراة حاليا، بجامعة كوينزلاند في أستراليا .. وتعمل حاليا محاضرة بقسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس .. هي الكاتبة أمامة مصطفى محمد اللواتية، التقاها "أشرعة" فكان حوارا حول أدب الطفل، وتجربتها الأولى فيه .. فإلى تفاصيل الحوار ،،

* يفاجأ الطفل قبل الولوج إلى عوالم حكاياك، بمجموعة من الأسئلة تمهد لأحداثها وتفاصيلها، فماذا قصدت من هذه الاستهلالية ؟
** تهدف هذه الأسئلة إلى إثارة فضول الطفل حول أحداث القصة، وبالتالي فإنها بدورها تفتح أسئلة أخرى في ذهن الطفل، ربما ترافقه أثناء قراءته للقصة.
* سلسلة "حكايات قبل النوم" موجهة للأطفال، من الرابعة وحتى سن السابعة، فهل وضعت في الحسبان، قراءة الأم لأطفالها، الذين لم يمارسوا الفعل القرائي، فاعتمدت على ذلك، عند استهدافك لهذه المرحلة العمرية. وهل تختلف حكاية الأم لأطفالها للقصة، عن قراءة الطفل لها ؟
** يستمتع الطفل بمرحلة قراءة الأم للقصة، حيث يركز على حاسة الاستماع ويترك العنان لخياله في تصور أحداث القصة، ومن السادسة تقريبا يبدأ الطفل بمحاولات القراءة، ويشعر بشغف وفرح حين يتمكن من تهجي كلمات القصة، وأعتقد أن نجاح الطفل في قراءة قصص سبق وأن استمع إليها، تشعره بالبهجة. إلا أن الطفل في هذه المرحلة بشكل عام يحب قراءة الأم للقصة.
* لكل كاتب اتجاه معين فيما يقدمه لقارئه، ورؤى قد تكون مختلفة عن رؤى الكتاب الآخرين، سواء فيما يطرح من قضايا - التي وإن اتفقوا حولها - يظل الخلاف في اللغة التي يقدم بها كتابته، أو نَفَس الكتابة، الذي يظهر من خلال بصماته الشخصية الواضحة. فهل تعتبرين اشتراكك مع مجموعة من كتاب وكاتبات أدب الطفل، في مجموعة "حكايات قبل النوم"، القصصية، ظاهرة تخدم التوجه العام للمجموعة القصصية، وتصل بالفكرة إلى القارئ الصغير بمستوى واحد ؟
** أحب أن أوضح أن هناك العديد من الأفكار المتصلة بهذه السلسلة، كانت خارج نطاق سيطرتي. حيث إن هذه التجربة الأولى بالنسبة لي، ولم أتمكن من التدخل في الجانب الإخراجي، أو تحديد قرار نشر القصص منفصلة، أو ضمن سلسلة مشتركة مع كتّاب آخرين. لكن لا أمانع وجود كتّاب مختلفين ضمن سلسلة واحدة، بشرط وجود أفكار عامة تربط بين هذه القصص، وأسلوب كتابة متقارب. يبقى أن ذلك صعب في حالة وجود عدد من الكتّاب ومن دول مختلفة.
* قدمت قصص مجموعتك باللغتين العربية والإنجليزية، فهل تقديمك حكاية بلغتين لقارئ واحد، توصل الفكرة بنفس مضمونها، أم أن هذا يولد خللا لدى البعض منهم، وهل هذه الطريقة في الطرح، تزيد من إقبال الأطفال عليها، أم أنك وضعت في حساباتك، أن هناك قارئا بالعربية، وقارئا آخر للمترجم من القصص ؟
** قرار إصدار القصص بلغتين كان أيضا قرارا اتخذته دار النشر. وقراءة الطفل لنفس القصة باللغتين، قد تكون مفيدة من الناحية التعليمية، حيث يتعلم الطفل بعض الكلمات المرادفة للغة العربية، كما يتعود على القراءة بلغتين منذ الطفولة. إلا أن ترجمة القصة من العربية إلى الإنجليزية أو العكس قد لا تكون متكافئة أدبيا، ولا تمنح النص القوة والمتانة المطلوبة، ولذلك لا أفضل الترجمة في قصص الأطفال. فإذا كان الكاتب يهدف إلى إنتاج عمله بلغتين، فإني أفضل أن يقوم بكتابة وإنتاج النص ذاته بلغتين مختلفتين، عوضا عن كتابتهما بلغة ما، ومن ثم ترجمتها إلى اللغة الأخرى. فتراكيب الجمل وأسلوب الكتابة ومعرفة الكلمات الشائعة في ثقافة ما، يساعد على كتابة أفضل للنص، خاصة إذا كان الهدف التوصل إلى لغة مبسطة وقريبة من ذهن الطفل. وقد اطلعت على عدد من القصص المكتوبة للطفل والمترجمة من اللغة الإنجليزية إلى العربية أو العكس، ولم أجد لغتها قريبة أو محببة أو مفهومة بشكل جيد، في حين كان النص الأصلي يتمتع بالقوة والبساطة في التعبير.
* .. وهل تتفقين مع توجه بعض دور النشر لترجمة القصص ؟
** هناك العديد من الأعمال الأدبية العالمية والتي تترجم من لغات عدة إلى العربية، وترجمة بعضها بالفعل محترفة وتعطي النص الأصلي حقه. ولكن في الكتابة للطفل أجد أن الكاتب مطالب بالبحث والتفكير في الكلمات التي يستخدمها، وهل ستكون مفهومة ومألوفة لدى الطفل على اختلاف مراحله العمرية، أو هل سيقدر على تعلمها، إذا كانت هذه الكلمات جديدة، فبعض القصص الموجهة للطفل تهدف إلى إضافة معلومات جديدة له، ولكن بأسلوب سلس وممتع. واللغة ترتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة والمجتمع الذي تنطلق منه، ولذلك لا بد من معرفة أولية بثقافة المجتمع الذي تخاطب أطفاله. الترجمة في قصص الطفل قد تعطي النص حقه من الناحية التعليمية، ولكن قد تسلبه روح الألفة والدفء الذي أسعى إلى أن يشعر به الطفل عند قراءة القصة.
* لم تكتف أمامة اللواتية بأسئلتها قبل المطالعة، ولكنها ختمت حكاياها بأسئلة بعد المطالعة، فهل قصدت المغايرة في الطرح، أم أن هناك أهدافا أخرى وراء هذا النهج ؟
** أصبحت بعض دور النشر، تتبع هذا الأسلوب، عند طباعة القصة، بهدف إضافة أبعاد أخرى إلى القصة، وهو أسلوب يهدف إلى التنويع وزيادة الفائدة المعرفية لدى الطفل، وحثه على التفكير فيما قرأه، ومدى تذكره لأحداث القصة. وبذلك فإن الطفل يقضي فترة أطول مع القصة المطبوعة.
* لا غنى عن الخيال في الإبداع، خاصة إذا كنا نكتب لطفل، في مرحلة عمرية، تتطلب هذا الاتجاه في الكتابة، فهل تنحازين للخيال المطلق، في كتابة قصص الأطفال، أم أن خيال الكاتب، لابد وأن تحده حدود معينة ؟
** تعمد بعض قصص الأطفال المكتوبة باللغة الإنجليزية إلى التحدث عن الملائكة مثلا، وتخيل أشكال وصور وأعمال محددة لها، في حين أن هذا النوع من الخيال يصطدم بالأسس الدينية الإسلامية. ولا يعني أن يقود ذلك إلى الحد من الخيال، بل أن دنيا الأفكار والتخيلات واسعة ولا حد لها، ويبقى على الكاتب التفكير واختيار ما لا يتعارض مع بعض الأمور العقائدية المهمة على سبيل المثال، وهذا النوع من البحث والتفكير والقدرة على ابتكار الجديد دون الإخلال بالأسس هو جزء من عملية الإبداع.
* في قصة (القطة والبحر) نشعر بالجانب التوعوي الموجه للطفل، تجاه البيئة البحرية، بعيدا عن النصح المباشر، فهل تركت الطفل يستنبط هذا المفهوم من خلال قراءته، وهل هذا نهجك في كتاباتك الموجهة للطفل، أن تتركي مساحة تفكير للطفل ؟
** نعم، قصة (القطة والبحر) قد تثير بعض التساؤلات لدى الطفل، وتشعره بنوع من التعاطف مع مصير القطة، التي تحب أكل السمك، ولكنها لا تتمكن من ذلك؛ بسبب تلوث البحر. أسلوب الكتابة للطفل، ينبغي أن يكون منوعا، فبعضه يهدف إلى الترفيه والتسلية، وبعضه يدفع الطفل إلى التفكير، وبعضه يثري خيال الطفل، وبعضه يضيف شيئا من المعرفة إلى الطفل.
* هل كاتب أدب الطفل، لابد وأن يمر بالطريقة التقليدية في الكتابة، أم أنه يجب عليه ينفتح على عوالم الكتابة الأخرى، فيبدأ من حيث انتهى الآخرون ؟
** بالنسبة لتجربتي الشخصية، فقد كنت أكتب القصة القصيرة والنصوص النثرية والمقال، قبل أن أبدأ بالكتابة للطفل. وأعتقد أن مراقبة عالم أبنائي وهم صغار، ومن ثم مراقبة الأطفال الآخرين، في أحاديثهم ولهوهم، والاطلاع على أدب الطفل في ثقافة أخرى، قد جذبني للكتابة للطفل. وممارسة فنون أدبية مختلفة، تساعد بشكل كبير، في توظيفها لكتابة لغة وأسلوب منوع ومشوق للطفل.
* في (القطة والبحر) أتى طرح أمامة اللواتية اللغوي، مغايرا لقصتيها (حوض الأسماك والساندويشة) فامتطت السجع في الحكي. فهل هو الاستحسان، والقرب من ذائقة الطفل، أم ماذا ؟
** كما ذكرت سابقا، التنويع جميل في الكتابة للطفل، وهي محاولة للكتابة بأسلوب مختلف عن الأسلوب التقليدي، وقد أردت من هذه القصة، أن تكون تجربة أولى، أنطلق منها لكتابات أخرى بنفس الأسلوب.
* مساحة الصورة أجدها كبيرة، في بعض قصصك، وربما فاقت الكلام المصاحب، فهل تجدين الصورة تعبر بشكل أسرع من الكلمة، لدى بعض المراحل العمرية ؟
** نعم، الأمر كما ذكرت. تعتبر الصورة وطريقة الإخراج، من الأساليب التي تجذب الطفل إلى النص المكتوب، ويفترض بالصورة أن تكون نصا مقروءا، إلى جانب النص المكتوب. فالطفل في مراحله الأولى، لا يتمكن من القراءة بشكل سريع، والصورة من الأساليب التي تساعده على فهم القصة. إلا أنه للأسف فإن العديد من القصص المطبوعة باللغة العربية، تعتبر الرسوم فقط، عاملا فنيا لجذب الطفل، عن طريق تكبير الصورة، في حين أتمنى وجود رسوم مبتكرة تماما، كما أتمنى وجود نصوص مبتكرة. بمعنى أن الصورة يجب أن تضيف شيئا جديدا إلى النص المكتوب، لا أن تكون عاملا مرافقا له فحسب. فمن الجميل أن يقرأ الطفل النص، ومن ثم يتأمل في الرسوم المصاحبة، ليكتشف فيها عوالم أخرى أكثر تفصيلا وإثارة، لم يتطرق إليها النص المكتوب. ورغم أنني لا أجيد الرسم، إلا أنني حاولت قدر الإمكان، توجيه دار النشر إلى الرسم بطريقة محددة في قصة (الساندويشة)، حيث طلبت من الدار رسم الخضراوات بطريقة غير تقليدية، كما ظهرت في القصة، وبشكل يقارب تخيلاتي. وبشكل عام، فإنه كلما كبر الطفل وأصبح أكثر إجادة القراءة، زادت مساحة النص المكتوب، ونجد أنه أصبح ينظر إلى الصورة، كعامل ثانوي، بدل أن يكون، عامل جذب رئيسي.
* لماذا عنونت أمامة اللواتية إحدى قصصها بلفظة عامية وهي (الساندويشة) ؟
** توقفت كثيرا قبل أن أمضي في إصدار القصة بهذه اللفظة المترجمة أساسا من اللغة الإنجليزية والتي أصبحت من الكلمات الشائعة في لغتنا الدارجة. إلا أنني لم أتوصل إلى بديل مناسب للأسف! فهذه الكلمة مفهومة وشائعة لدى الأطفال، وأدرك أنني ضحيت بالكلمة الفصحى، في سبيل إقناع الطفل في هذه القصة، بالفائدة الغذائية للخضراوات.
* أراك تغرسين بعض الآداب الإسلامية، في نفوس الأطفال، ببعض قصصك، فهل تضعينه هدفا دائما في كتاباتك لهم ؟
** أحب أن تحتوي قصصي على لمسات من الآداب الإسلامية والأخلاقيات العامة، وقد يتوافق ذلك مع بعض القصص، وربما قد لا يتوافق وضع هذه اللمسات في سياق قصصي آخر.
* نشرت عددا من النصوص النثرية والقصص القصيرة، في الصحف والمجلات العمانية، فهل هذا قربك إلى الكتابة للأطفال ؟
** كتابتي للنصوص النثرية والمقالات والقصة القصيرة، ساعدتني في الكتابة بأسلوب أفضل للأطفال، إلا أنه كما ذكرت سابقا، كوني أما لأطفالي، ساعدني على اقتناص أفكار قصصي من حكايا الأطفال وأسئلتهم وتعليقاتهم الممتعة والجميلة، وحفزني على التوجه إليهم لجذبهم للقراءة.
* كيف ترين مشهد أدب الطفل في السلطنة ؟
** أعتقد أننا بحاجة إلى شيء من الوقت، لكي نتحدث عن مشهد محدد لأدب الطفل في السلطنة. فالكتابات في هذا المجال ما زالت قليلة ومتباعدة، ولم تتعرض للبحث والدراسة، كما تعرضت له الفنون الأدبية الأخرى، كالقصة القصيرة مثلاً.
* وكيف نؤسس لمشهد يقارب التجارب التي تفرض نفسها على ساحة أدب الطفل العربي ؟
** تجارب أدب الطفل العربي في لبنان ومصر مثلا متقدمة وأكثر خبرة. إلا أن بعضها لا يزال يمنح الجوانب التسويقية أهمية أولى عند إصدار كتاب للطفل، وأجد أن القليل منها هو من يسعى إلى تبني إنتاج مبتكر. أما مقارنة أدب الطفل بعمان بغيرها من التجارب العربية، فأرى أنه ما زال الوقت مبكرا لإجراء مثل هذه المقارنة.
* ما مشاريعك المستقبلية في أدب الطفل ؟
** هناك العديد من المشاريع الموجهة للطفل في مراحل عمرية مختلفة، والتي أسعى إلى أن ترى النور، وهي كتابات منوعة، بعضها يحتوي على جرعة خصبة من الخيال، وبعضها يوظف الحس الفكاهي، في حين أتمنى في المستقبل إنجاز شيء مميز ومختلف، فيما يتعلق بجوانب من التاريخ الإسلامي.
* شراء القصص للأبناء، يرتبط لدى البعض بإقامة معارض الكتابز فكيف تقيمين هذا المسلك من بعض الآباء ؟
** لابد من تشجيع الوالدين لأطفالهما على القراءة وإختيار قصص لشرائها من وقت لآخر، وعلى ألا يكون شراء القصة أمرا موسميا، يتعلق بإقامة معرض الكتاب السنوي.
* ما الدور الذي يجب أن تقوم به المكتبات لتشجيع الأطفال على القراءة ؟
** أعتقد أن المكتبات العامة يقع عليها دور تشجيع الجميع، بما فيهم الطفل على ممارسة القرءاة بشكل مستمر. إلا أن دور المكتبات العامة وللأسف دور سالب غير فعال، وهي تنتظر أن يأتي إليها القارئ صغيرا كان أم كبيرا، لكنها لا تسعى إلى التسويق لنفسها ومنتجاتها، على غرار ما تفعله المؤسسات التجارية التي تسعى إلى الربح المادي، على المكتبات أن تسعى إلى جني أرباحها الفكرية، وعليها أن تفكر بالأساليب المناسبة لجذب الطفل إلى أحضانها.


القراءة والتأويل في غرائب المدن

الميل إلى الغرائب ، ومعرفة كنهها ، والاطلاع عليها أمر راسخ في أعماق النفس البشرية ، ولا أدل على ذلك من تلك اللهفة التي تأخذنا حين الولوج إلى فضاء الأسطورة، والمبهمات من الأمور في عمومها، سواء أكانت متعلقة بالطبيعة من بحار، وجبال، وقرى، أم الغرائب التي تتعلق بالإنسان ذاته.وأثناء اطلاعي في معاجم البلدان استوقفتني مدينة عجيبة، تحمل عنوانات وأسماء مختلفة ك(مدينة النحاس - الصّفْر - البهت 1) وقبل الخوض في التأويل كان لا بد من قراءة مختصرة؛ إذ آثرت أن أنقل بعضا من الفقرات وألخص فقرات أخرى على الرغم من سيئات التلخيص - كون الرواية اختلفت في بعض تفاصيلها عن كل من:
1- ابن الفقيه (2)
2- الحموي ياقوت (3)
3- أبو حامد الأندلسي(4)
3- القزويني(5)
مختصر الحكاية: "بسم الله الرحمن الرحيم " أصلح الله أمير المؤمنين صلاحا يبلغ به خير الدنيا والآخرة أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهزت لأربعة أشهر وسرت نحو مفاوز الأندلس، ومعي ألف فارس من أصحابي حتى أوغلت في طرق قد انطمست، ومناهل قد اندرست وعفت فيها الآثار وانقطعت عنها الأخبار أحاول بناء مدينة لم ير الراؤون مثلها، ولم يسمع السامعون بنظيرها فسرت ثلاثة وأربعين يوما ثم لاح لنا بريق شرفها من مسيرة خمسة أيام فأفزعنا منظرها الهائل وامتلأت قلوبنا رعبا من عظمها وبعد أقطارها فلما قربنا منها إذ أمرها عجيب ومنظرها هائل كأن المخلوقين ما صنعوها فنزلت عند ركنها الشرقي وصلّيت العشاء الأخيرة بأصحابي وبتنا بأرعب ليلة بات بها المسلمون فلما أصبحنا كبرنا استئناسا بالصبح وسرورا به ثم وجهت رجلا من أصحابي في مائة فارس وأمرته أن يدور مع سورها ليعرف بابها فغاب عنا يومين ثم وافى صبيحة اليوم الثالث فأخبرني أنه ما وجد لها بابا ولا رأى مسلكا إليها فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها على بعض لينظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه وعلوه فأمرت عند ذلك باتخاذ السلالم فاتخذت ووصلت بعضها إلى بعض بالحبال، ونصبتها على الحائط وجعلت لمن يصعد إليها ويأتيني بخبرها عشرة الآف درهم فانتدب لذلك رجل من أصحابي ثم تسنم السلم، وهو يتعوذ، ويقرأ فلما صار على سورها وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكا ثم نزل إليها فناديناه أخبرنا بما عندك وبما رأيته فلم يجبنا فجعلت أيضا لمن يصعد إليها ويأتيني بخبرها وخبر الرجل ألف دينار فانتدب رجل من حمير فأخذ الدنانير فجعلها في رحله ثم صعد فلما استوى على السور قهقه ضاحكا ثم نزل إليها فناديناه أخبرنا بما وراءك، وما الذي ترى فلم يجبنا ثم صعد ثالث فكانت حاله مثل حال اللذين تقدماه فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود وأشفقوا على أنفسهم فلما أيست ممن يصعد، ولم أطمع في خبرها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت هذه:
ليعلم المرء ذو العز المنيع ومن
يرجو الخلود وما حي بمخلود
لو أن حيا ينال الخلد في مهل
لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له العين عين القطر فائضة
فيه عطاء جليل غير مصرود
وقال للجن انشوا فيه لي أثرا
يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي
فصيروه صفاحا ثم ميل به
إلى البناء بإحكام وتجويد
وأفرغوا القطر فوق السور منحدرا
فصار صلبا شديدا مثل صيخود
وصب فيه كنوز الأرض قاطبة
وسوف تظهر يوما غير محدود
لم يبق من بعدها في الأرض سابغة
حتى تضمن رمسا بطن أخدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا
مضمنا بطوابيق الجلاميد
هذا ليعلم أن الملك منقطع
إلا من الله ذي التقوى وذي الجود

ثم سرت حتى وافيت البحيرة عند غروب الشمس فإذا هي مقدار ميل في ميل، وهي كثيرة الأمواج وإذا رجل قائم فوق الماء فناديناه من أنت فقال: أنا رجل من الجن كان سليمان بن داود حبس ولدي في هذه البحيرة فأتيته لأنظر ما حاله قلنا له فما بالك قائما على وجه الماء قال: سمعت صوتا فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كل عام مرة فهذا أوان مجيئه فيصلي على شاطئها أياما، ويهلل الله ويمجده قلنا فمن تظنه قال: أظنه الخضر عليه السلام ثم غاب عنا فلم ندر أين أخذ فبتنا تلك الليلة على شاطئ البحيرة وقد كنت أخرجت معي عدة من الغواصين فغاصوا في البحيرة فأخرجوا منها حبا من صفر مطبقا ورأسه مختوما برصاص فأمرت به ففتح فخرج منه رجل من صفر على فرس من صفر بيده مطرد من صفر فطار في الهواء، وهو يقول: يا نبي الله لا أعود ثم غاصوا ثانية وثالثة فأخرجوا مثل ذلك فضج أصحابي وخافوا أن ينقطع بهم الزاد فأمرت بالرحيل، وسلكت الطريق التي كنت أخذت فيها وأقبلت حتى نزلت القيروان والحمد لله الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلم له جنوده فلما قرأ عبد الملك هذا الكتاب كان عنده الزهري فقال له: ما تظن بأولئك الذين صعدوا السور كيف استطيروا من السور وكيف كان حالهم. قال الزهري: خبلوا يا أمير المؤمنين فاستطيروا لأن بتلك المدينة جنا قد وكلوا بها قال: فمن أولئك الذين كانوا يخرجون من تلك الحباب ويطيرون? قال: أولئك الجن الذي حبسهم سليمان بن داود عليه السلام في البحار"

ذكرت سابقا أن الميل إلى الجانب الأسطوري في أي نص منجز متغلغل في أعماقنا ويشهد لذلك كثرة الاهتمام بالجانب الأسطوري سواء أكان شفهيا أم مكتوبا ، وبولوجنا إلى عملية توضيح مفهوم الأسطورة ومعالجة معطياتها ستجابهنا تلك الدوائر التي ستنداح منها والتي يمكن بإسقاطاتها مساعدتنا في فهم توضيحي للموضوع ويمكن تصنيف الأمر كالآتي :
مفهوم الأسطورة: "سرد قصصي لا يمكن إسناده إلى مؤلف معين يتضمن بعض المواد التاريخية إلى الجانب مواد خرافية شعبية ألفها الناس منذ القدم " معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ص33، من خلال هذا التعريف نعرج على قول الرواة حيث يقول ياقوت الحموي: " ويقال لها مدينة الصفر ولها قصة بعيدة من الصحة لمفارقتها العادة" ويقول ابن الفقيه : "يزعم قوم من العلماء أن ذا القرنين بناها وأودعها كنوزه وعلومه وطلسم بابها"، أما أبو حامد الأندلسي فيقول: " ولها كتاب مشهور في كتابها أن ذا القرنين بناها والصحيح أن سليمان بن داوود عليه السلام بناها".
في البداية نجد أمامنا رواية لا تنتمي إلى راو بعينه وبالتالي فإنها لا تعتمد أسلوب السند الذي يذهب بالغموض إما قرارا أو دحضا لما قيل .من هنا فإن الباحث سيعتمد أقدم الروايات وهي رواية ابن الفقيه المتوفى 290ه في كتابه " البلدان " التي اعتمدها الحموي قائلا: " قال ابن الفقيه " القزويني حيث قال: " هذا ما رواه ابن الفقيه "مع أن القزويني اعتمد رواية لأبي حامد الأندلسي المتوفى 565ه وهو رحالة طوف الكثير من بلدان أوروبا .
الغريب في الأمر أن الجرح والتعديل لم ينل هذه الرواية إلا على استحياء ولذا نجد الحموي يقول : ولها قصة بعيدة من الصحة لمفارقتها العادة ..... " الأمر الذي دعاه إلى البراءة من عهدتها ودفعها إلى القائل الأول ابن الفقيه ،يأتي بعده القزويني ليكرر ما قاله الحموي ولكن بنبرة أخف " لها قصة عجيبة مخالفة للعادة جدا" وكأن الحكاية لا تحتاج منه إلا هذه الكلمات وعذرنا له أن الحكاية تدخل ضمن المغريات التي يصطاد بها القراء فلا بأس من إيرادها لأنها:" وجدت في الكتب المشهورة التي دونها العقلاء" ، و" وهي أيضا مدينة مشهورة الذكر" .
كل هذا وغيره دفع بالرواة إلى حشرها بين المدن العامرة التي خلفها البشر وهي لا تزال تنبض بالحياة أو آثارها تنطق بذلك ؛ لأنها مشهورة الذكر .كيف لا تكون مشهورة الذكر وهي تحوي كل هذه الغرائب التي لا تخطر على بال بشر؟ ثم كيف لا يتناولها أحاديث السمر؟ وهي تراها من أجمل النوادر وأقربها إلى قلوب السامعين الذين أولعوا بالمتناقضات دون ردها، أو مناقشتها أليس حديث خرافة يا أم عمر ؟!
المكان الأسطورة :هنا دائرة المكان التي تنعدم فيه خاصيتي الحنين والغربة ، معتمدة ثيمة المغامرة و ارتياد المجهول ، فالمكان هنا يدور في تلك الظلمات التي تحتاج من القارئ إلى بعض من الأضواء الذهنية حيث يستهل ابن الفقيه كلامه عن المدينة قائلا:" فمن عجائب الأندلس البهت .... مفاوز الأندلس " ومن مدلول اللفظ أن المدينة تقع في شبة الجزيرة الأيبيرية ، ومن المعلوم أن الأندلس ظلت في أيدي المسلمين زهاء ثمانية قرون ولم يتحدث عن هذه المدينة إلا أبو حامد الأندلسي مع حرص أهل ذلك الإقليم على ارتياد المجهول .
على فرض التسليم أنها في مفاوز الأندلس فهل هي في صحراء إشبيلية؟أم هي تجاه شاطبة والبسيط ؟ أم مدينة سالم أم القنطرة والزلاقة ؟ كل هذه الجهات تحيطها المدن العامرة ترى أين اختفت هذه المدينة التي ترى على مسافة خمس ليال ؟! والعجب أن كبار العلماء أمثال ابن حزم لم يذكر هذه المدينة في مصنفاته التي تحدث فيها عن موطنه الأندلس ومحل فخره .أخال هذه المدينة بقناعتها الواسع مستنسخة من مدينة إرم التي بناها شداد بن عاد ثم ساخت في الأرض ، وبعض العلماء يرى أنها تظهر كل مدة من الزمن في إقليم من الأقاليم وكأنها كوكب سيار !!
أسطورية العدد : لقد أعطى الشرق أهمية كبرى لرمزية الأعداد فهل ما أورده الرواة من الأعداد داخل في رمزية هذه المدينة العجيبة ؟ . بداية بالتجهيزات التي استمرت لأربعة أشهر وهذا دلالة على أن المهمة بلغت من الخطورة بمكان، الأمر الذي جعل الأمير موسى بن نصير(6 ) يستغرق في التجهيزات كل هذه المدة بداية بالمال ونهاية بالغواصين والمهندسين وأرباب المهن كل حسب الحاجة التي أتى من أجلها إلى أن بلغ عددهم "ألف رجل من أصحابي " ثم يأتي عدد الأيام التي قطعت فيها الرحلة "فسرت ثلاثة وأربعون يوما ... فلاح لنا بريق شرفها من مسيرة خمس أيام " بمعنى أن الرحلة استمرت شهرا ونصف دون توقف يذكر وبعد أن حطت الرحلة أوزارها بالقرب من أسوار المدينة أمر موسى بن نصير أحد قواده بالبحث عن باب أو مدخل يلجون منه فاستمرت الجولة يومين ونصف وفي رواية الأندلسي أربعون فرسخا أي ما يعادل 200 كيلو متر مربع ولم يعثروا على مدخل لمدينة النحاس الأمر الذي حدا بالأمير وجنده أن وضعوا السلالم لأن طول السور 500 ذراع ما يقارب 440 مترا في السماء وهذا أمر مهول إلا أنه لا يقف أمام بعثة استمر الاستعداد لها 120 يوما ولما خاب أملهم بالسور والسلالم توجهوا إلى البحيرة التي أخذت حظها من الكنوز "وهي مقدار ميل في ميل " والباحث هنا لا يميل إلى التصديق بدقة الحسابات بقدر ما ينحو بها الرواة إلى التهويل من أمر المدينة القناع ، إذ كيف يعقل من مدينة بهذه الضخامة والبنيان المحكم أن تختفي ويكتفى بها في الأحلام وألسنة القصاص وأرباب الغرائب ؟؟؟
أسطورة البناء:اختلف العلماء فيمن أسس بناء هذه المدينة العظيمة " يزعم قوم من العلماء أن ذا القرنين بناها وأودعها كنوزه وعلومه وطلسم بابها فلا يقف عليها أحد وبنى داخلها بحجر البهت وهو مغناطيس الناس، وذلك أن الإنسان إذا نظر إليها لم يتمالك أن يضحك ويلقي نفسه عليها فلا يزايلها أبدا حتى يموت " ،إن عملية وضع الكنوز في الأماكن المعقدة جغرافيا وماديا أي تلك المواقع المحروسة من قبل المخلوقات الخارقة أمر مألوف في المخيلة العربية ومثاله عندنا في عُمان كالذي نجده في قصة ( مغارة نظور) (7 ) .
هذا البناء الشامخ الذي ملأ قلوب الرجال رعبا بمنظره الهائل " وكأن المخلوقين ما صنعوها " خلق في الجند رعب الاقتراب منه؛ الأمر الذي دفع بالأمير أن يجزل العطاء لمن يعتلي السور فكان نصيب الأول والثاني والثالث الاختفاء خلف هذا البناء المهيب وكأنهم نظروا إلى ما لا عين رأت من الكنوز والبيوت والنساء أو أو أو أو ليتخيل معي القارئ أنه لم ينزل ذلك الرجل الذي غامر بحياته ما الذي سيحل به بعد أن يكشف السرّ ولا أظن القارئ أيضا يستبعد أن الجوائز لم توضع إلا بعد معرفة النهاية التي سيؤول إليه الصاعد ولكن العطب فيمن تبع الأول ورأى ذلك المصير؟؟ والعجب أنهم ثلاثة وما يزيد الأمر تعجبا أن المصير كان واحدا.عندها أحجم الجميع عن الصعود وأمروا بالرحيل إلى البحيرة وهي أيضا لا تخلو من العجائب:
أولها : البحيرة المحدودة بميل في ميل ولكنها شديدة الأمواج ولا أظن ذلك إلا لإحداث الرعب في قلوب المكتشفين.
ثانيها: الجني الواقف على سطح البحيرة يقوم بزيارة لابنه لعله يخرج من الأسر ويعود به إلى أرض الوطن، بعد أسر دام لألف عام ، فهو ضمن الفرسان الصفر على خيول من صفر وبأيديهم مطرد من صفر ، المفترض أن ينعم عليهم فرسان الأمير بالخلاص حين جدوا في الغوص عن كنوز سليمان، فما كان من الخارج من القمقم إلا أن يقول:" يا نبي الله لا أعود "، هل كانت تلك التوبة الأخيرة ؟ أم أنها بداية لعبودية أخرى أو تمرد آخر لذلك المارد الخارج من سجنه ؟؟؟ المهم في الأمر كله " الحمد لله الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلّم جنوده ...
هنالك مفردتان تستوجبان الوقوف عليهما في نظر الباحث ،وإن كانت وقفة عابرة ،المفردة الأولى: " القهقهة " و دورها في سياق الحديث، هل كانت القهقهة هنا مثار خوف من الرجل الأول الذي اعتلى السور؟ أم بدافع الفرح عند الرجل الثاني؟ أم تحمل دلالة الأمرين في ذات الوقت؟ خاصة في قوله: " ثم نزل إليها " هل كانت المدينة بما فيها تحمل علامة البِشْر والفرح، أم أن حورياتها تجذب من أطل عليهن ليبقى مدى الحياة؟، والمفردة الثانية القصيدة العجيبة التي لا تناقش من الناحية الفنية؛ لما تمتلكه من ركاكة في اللفظ والمعنى، وعذرنا لهم أنها ترجمت من الحميرية أي من المسند الحميري إلى العربية القرشية، على اختلاف الرواة بين من قال إنها كانت عربية وقائل إنها بالحميرية، والذي أراه أن تبقى على حميريتها ونلقي باللوم على الترجمة والمترجمين ..
وبالجملة فإن هذه المدينة فيما يرى الباحث قد تشكلت مورفولوجيا وجماليا وفق رؤية الرواة الجمالية والخاصة ، ومن خلال عمليات التخيل والحلم ، أو من خلال المثاقفة الفكرية الحضارية بين الرواة والثقافات الأخرى.
وقد يستطيع القارئ أن يفرغ نفسه حسيا من قراءة المدينة النحاسية ، ولكنه سيظل مشغول البال بها ، وستظل في مخيلته تلك الكنوز والعلوم التي أودعت مدينة الظلام ، وسيظل الحرّاس المختصين هاجس مقترن بالموت المحتوم .
( 1) لم أقف على معنى البهت في معاجم اللغة بالمعنى الذي جاء في الرواية، أما الذين كتبوا عن المدينة فقد فسروها بحجارة تحتوي على مغناطيس تجذب إليها الذي اقترب من المدينة. والذي أميل إليه هو أن الكلمة أخذت من البهت أي القهر بمعنى أنها تقهر من اقترب منها وتأخذه إلى غير رجعة. الباحث
(2 ) ابن الفقيه الهمذاني: أبوبكر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فقيه الهمذاني توفي سنة290(همذان)، من أهم كتبه (كتاب البلدان) تحدث فيه عن خط الاستواء الذي يقسم الأرض إلى قسمين متساويين كما تطرق لكروية الأرض، كذلك قدم دراسة موثقة حول عجائب المخلوقات في كل البلدان.
(3 ) الحموي :هو الشيخ الإمام شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي 574-626 ه بلاد الروم، يعتبر(معجم البلدان) من أهم مؤلفاته فهو كتاب في علم الجغرافيا وزاخر بالمعارف وليس له نظير و لا يزال يستخدم حتى يومنا هذا.
(4 ) أبو حامد الأندلسي الغرناطي (473 ـ 565هـ، 1080 ـ 1170م). أبو عبدالله محمد بن عبدالرحيم المازني القيسي الغرناطي الأندلسي. ولد في غرناطة، وتوفي في دمشق، اشتهر أبوحامد برحلاته التي بدأها سنة 508هـ، 1114م برحلته إلى مصر ثم رجع إلى وطنه برحلة أخرى سنة 511هـ، 1117م. وزار بغداد ومكث بها أربعة أعوام، وزار إيران ووصل إلى بحر قزوين ومصب نهر الفولجا، وقام بثلاث رحلات إلى خوارزم، واشتهر بكتابه تحفة الألباب ونخبة الإعجاب. ويجمع هذا الكتاب بين الحقيقة والخيال. ولأبي حامد كتاب آخر هو المعْرِب عن بعض عجائب المغْرِب، وهناك كتب أخرى تنسب له لكنها ليست من تأليفه مثل: عجائب المخلوقات وتحفة الكبار في أسفار البحار، ولم يكن أبو حامد جغرافيا صرفًا أو عجائبيا خالصًا ولا رحالة فحسب، إنما هو ذلك كله.
(5 ) القزويني: زكريا بن محمد بن محمود القزويني 605-682 هـ قزوين ،وصف الأرض وما عليها وتحدث عن الكواكب والأبراج وحركاتها وفصول السنة والشهور والأيام ومن أهم كتبه كتاب (آثار البلاد وأخبار العباد).
(6 ) الأمير الكبير، أبو عبد الرحمن اللخمي، متولي إقليم المغرب، وفاتح الأندلس، قيل: كان مولى امرأة من لخم، وقيل: ولاؤه لبني أمية. وكان مهيباً ذا رأي وحزم، وكان من أصحاب الهمم الكبيرة فقد قال مرّة: والله لو انقاد الناس لي، لقدتهم حتى أُوقعهم على رُومية ثم ليفتحنها ( سير أعلام النبلاء للذهبي ).
(7 ) المهري، محمد بن مسلم ، حكايات شعبية ظفارية، دار الفرقد، دمشق، ط 2 ، 2010م، ص 225 .


د. محمد المهري


أعلى




فاطمة كفر الشيخ عابدين.. رواية لسهى زكي

القاهرة : أيمن حسين
عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدر للقاصة والروائية " سهى زكي " رواية " فاطمة.. كفر الشيخ/ عابدين " في 108 صفحة من القطع المتوسط ، و" فاطمة " حكاية حب بين بنت وولد تحدى حبهما كل الظروف، وانتهت حكايتهما نهاية غير تقليدية كتلك النهايات التي تشبه قصص العشق الأسطورية. فالحكاية هنا عن حب صنع بيتًا بذلت فيه فاطمة مجهودًا عظيمًا لتقول للعالم إن الحب هو السعادة الحقيقية؛ رغم انهيار الفكرة مع المشاكل اليومية للحياة، ورغم محاربة الجميع لها ولطيبتها المجانية في بداية الأمر، إلا أنها استطاعت بطاقة الحب أن تربى أجيالاً وتصنع لهم بيتًا ومستقبلاً.
لم تنشغل بالمآسي الكبرى، ولم تهتم للخوف من الفقر الذي لاحق أسرتها منذ خروجهم من كفر الشيخ، ولا تخلت عن الإحساس بالمسؤولية تجاه من أحبت، فقط كان الحب هو حياتها؛ وكأنها ولدت للعشق.
" سهى زكي " في روايتها؛ استخدمت تقنية سردية مختلفة، حيث قسمت سنوات عمر فاطمة وإبراهيم؛ بطلي الرواية؛ تقسيمة عشرية، فجاءت الفصول مقسمة إلى العشر الأولى والعشر الثانية، إلى أن تصل لما قبل نهاية العشر سنين السابعة. وأوجدت الراوية عمرًا متوازيًا مع أحداث الرواية في بداية العشر سنين الثالثة لفاطمة؛ حيث يبدأ عمر الراوي في هذه السنين.
الرواية تتناول تأثير تعاقب الأزمنة، وكيف تؤثر العشر سنوات من عمر الإنسان في السنوات العشر التالية: ( هكذا أخذتني عشر سنين لتسلمني لعشر أخرى، حيث كنت أرى العالم من خلف حائط زجاجي رقيق أخشى عليه من يدي الضعيفة ).
وكأن الزمن يتعاقب ويستنسخ فيُبعث الأشخاص من جديد: ( رغم أننا لا نستطيع أبدًا التكهن بنهاية ما نمر به من أحداث، لكننا نستطيع دائمًا أن نتكهن بنهاية لحكايات الآخرين، ونسمح لهم باختراق حواسنا، والالتصاق بأرواحنا المنسوخة ).
سهى زكى كاتبة وصحفية مصرية صدر لها فى 2004 "بوح الأرصفة" وهى مجموعة قصصية مشتركة بالتعاون مع الكاتب الراحل محمد حسين بكر والأديب الشاب محمد رفيع ، و"كان عندي طير" مجموعة قصصية. عن دار العلوم للنشر والتوزيع فى 2008 ، ورواية "جروح الأصابع الطويلة" عن الدار للنشر والتوزيع فى 2009 ، و"الساحرة الشريرة" عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام فى 2009.


أعلى






الإنسان في الفلسفة الإسلامية اخلاق الاسلام هي نبراس حضارته وفلسفته

القاهرة : حسام محمود

حمل المسلمون رسالة دينهم الحنيف عبر بقاع الأرض , فحرروا الإنسان من ظلم العبودية ومن مضطهديه , ونشروا قيم العدل والحرية والمساواة , والعلم والمعرفة, وأشاعوا روح التسامح بين البشر , ثم حاول فلاسفة الإسلام أن يستلهموا تلك المعاني الخالدة التي جاء بها القرآن الكريم , وأن يؤصلوها كقضايا فكرية في أعمالهم ومؤلفاتهم , وارتبطت كذلك محاولات واجتهادات علماء الإسلام بتعظيم قيم الثقافات الدينية وربطها بالواقع المعاصر .
فلسفة حضارية
يستهل الكاتب الدكتور إبراهيم عاتي في كتابه "أالإنسان في الفلسفة الإسلامية" باستبيان أن أهم ما يميز فلاسفة الإسلام , وفى مقدمتهم الفارابي عن غيرهم هو الابتعاد بالأفكار عن الخيال , وملامسة الواقع الحقيقي بالمعاني الخالدة والمؤثرة على المجتمعات , ومعالجة أغلب المشكلات التي تمر بها الأمة عبر حقبها المختلفة من منظور استبيان القضايا المهمة والشائكة , ومحاولة الإصلاح للمجتمعات من داخلها , وفى مقدمة هؤلاء الفلاسفة المسلمين هو ( الفارابي ) , والذي ربط سلوكيات البشر بتصرفاتهم حيال قضاياهم , وعلاقة الإنسان بالبيئة المحيطة من خلال مدى تفاعله مع الآخرين .
وترى آراء الفارابي الفلسفية في مؤلفاته العتيقة , والمتصلة مثل : ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) , و( السياسة المدنية ) وغيرها , وآراؤه في تصنيف العلوم وإحصائها موجودة في كتبه الأخلاقية ( كتحصيل السعادة ) , و( التنبيه على سبيل السعادة ) , وزاد على ذلك غزارة المؤلفات المتباينة التي خصصها الفارابي للإنسان لتوضيح جوانب شخصيته , لا كثوابت جامدة لتجارب فردية مقصورة لبحث مشكلة النفس وارتقائها فوق الأحداث , وبالتالي فإنه يجب معالجة التصورات الفلسفية ككل , والتي تبنى على علاقة الأفراد بالمجتمعات , ودعم التماسك الفكري والفلسفي لها , والمتصل بالنواحي الأخلاقية , والانعكاسات الاجتماعية حيال القضايا المصيرية للمجتمعات الإسلامية .
ويشير الكاتب خلال ( الفصل الأول ) إلى منهج الفارابي , ومبرراته السيكولوجية للقضايا المهمة حول الدين والحياة , والاهتمام الكبير الذي أولاه لإحصاء العلوم وتصنيفها , على صعيد الفكر الانسانى عامة والاسلامى خاصة , وإلقاءه الضوء على اهتمامات الفلاسفة المسلمين الذين يولون اجتهاداتهم العلمية بالترابط , والاتساق بالأفكار , والأحكام المستنيرة في الرؤى الفكرية للقضايا المعاصرة كي لا تنحرف المجتمعات عن ثوابتها الثقافية بحثا عن هويات مصطنعة , حيث أن التصورات المتناقضة للقضايا تنتج عنها معالجات مختلفة لها .
وينبغي تصنيف الموضوعات حسب ترابط عناصرها الأساسية , وتصورات المؤسسات العلمية والثقافية لها إلى عدة مراحل وأحداث وفصول , لأن طبيعة البحوث العلمية تقتضى معرفة مناهجها التي يسلكها الفلاسفة أو المفكرون في أعمالهم , ويجب أن تتسق الأحكام الفلسفية مع مقتضيات الأمور ومنطقيتها , وألا تخضع للمصادفة أو العشوائية , فطبيعة البحث العلمي تقوم على معرفة المناهج التي يسلكها الفلاسفة أو المفكرون , حتى يعرف مقدار الخطأ والصواب , والفشل أو النجاح , وتصحيح أوجه القصور , وتحويلها إلى مجالات خصبة للإبداع في كافة المجالات العلمية والأدبية والفنية .
أما ( الفصل الثاني ) , فقد خصص لبحث العلاقة بين الإنسان والله والعالم , لأن الإنسان عند الفلاسفة المسلمين يرتبط بالإلوهية بشكل وثيق , لكونه أحد مخلوقات الله من جهة , ولأنه يطمح دوما لمعرفة خالقه , والسمو إليه من جهة أخرى , وقد أشار المؤلف إلى أن تصور الفارابي للإلوهية صدر عن أصول إسلامية واضحة, وقام على أساسين اثنين هما : التوحيد , والتنزيه للخالق عز وجل .
تباين الثقافات
يوضح الكاتب التباين الحادث بين الفلاسفة , حيث كان هناك اختلاف بين فلسفة الفارابي وأرسطو, فيما يخص مشكلة العلم , كما يقارن المتخصصون بين الفارابي وديكارت في عدة أمور هامة : منها الإيمان بأن معرفة البشر لله هي معرفة فطرية تتم من غير اكتساب , ومنها منهج الفارابي في النزول من معرفة الله إلى معرفة العالم وليس العكس , كما سبق ما جاء به ديكارت في هذا المضمار .
أما عن علاقة الإنسان بالعالم فهي وثيقة أيضا , فقد صارت النظرية الخاصة بالعقول تلعب دورا كبيرا في تنمية الأفكار الفعالة في عالم ما يسمى ما تحت القمر, ومدى قدرة الإنسان على الاتصال به , وتقدير المخلوقات الأخرى , ومعرفة أن الإنسان أشرف هذه الكائنات على سطح الأرض , أما السعي وراء الفيض المعرفي , فينبغي أن يكون مرتبطا بالواقع الملموس , وكيفية تحديد مستقبل الشعوب وعلاقتها ببعضها البعض وتحديد مصائرها من خلال تجاربها .
وفى ( الفصل الثالث ) يرى الكاتب أن النفس الإنسانية تشكل صلب البحوث عند الفلاسفة المسلمين منذ قديم الأزل , وقد بحث الخبراء عن طبيعة النفس وعلاقتها بالدين , وهناك تميز بين الفلاسفة الشرقيين والغربيين في معالجة الأحداث والقضايا المصيرية المتعلقة بالدين والحياة والوجود .
كما يبحث معظم هؤلاء عن الأدلة الكونية وروحانية النفس البشرية , ويطرحون الرأي في الحياة والخلود والبعث , وربط هذه الفلسفة بالواقع المنظور , واستبيان آراء الفارابي وأرسطو عند مضاهاة قوى النفس بالجاذبية الأرضية للأحداث المتباينة الشكل والمضمون , وما تقتضيه من معالجة للأمور الطارئة , وتوضيح ضروريات النقد والتعقيب على خطط واستراتيجيات الشعوب في ثقافاتها , وما تنعكس به على نظريات فيثاغورث وغيره من العباقرة .
أما ( بالفصل الرابع ) , فقد عولجت نظرية المعرفة عند المعلمين والدارسين , والحق أن جوهر ما بداخل الإنسان يتجلى في مواقفه من المعرفة والعلوم والفنون, لذا نجد الفلاسفة المسلمين قد أفسحوا مجالا واسعا في مذاهبهم لنظريات النفس البشرية , بل انعكست هذه النظريات على آراء العلماء والأدباء وسيكولوجياتهم حيال القضايا المعاصرة , وكيفية تحديد الهوية الثقافية للمجتمعات , ومن ثم استبيان مدى قدرتها على التأثير والتأثر مع الحفاظ على المعتقدات , ومعالجة السلبيات , والحيلولة دون الانخراط في التجارب الفاشلة التي تهوى بالمجتمعات إلى غياهب التخلف والرجعية , ومعالجة القصور الفكري في المبادئ .
ولعل الفارابي قد نجح كثيرا في وضع اطر الاختلاف بين أفكار المثقفين من جهة وسيكولوجية المتصوفين من جهة أخرى , وشرح وتحليل نظريات المعرفة والنقد الموجه لها تحت عدة افتراضات محتملة للإشكاليات الواردة في هذا الخصوص .
تصحيح الايدولوجيات
يقوم المؤلف في ( الفصل الخامس ) بتحليل آراء الفلاسفة حول كثير من القضايا الفلسفية والعلمية والعملية , وفى مقدمتها وضع الأخلاقيات في مقدمة الأهداف والغايات , وتفصيل نظريات الفارابي العلمية بما تسمح به افتراضاته الأخلاقية , فعلم الأخلاق يقوم على الفضيلة والسعادة المعنوية القائمة على تحديد الأهداف والمراحل ومعالجة المضمون , وتحديد الأقسام المفترضة للأحداث , ثم توضيح طبيعة الملكات الإنسانية والوسطية الأخلاقية كهدف سامي , والنماذج التطبيقية للأفعال وردودها حيال الموضوعات المعرفية , ودواعي نشر العلوم والفنون للحيلولة دون الوقوع في دوامات الشر المارقة والمتغطرسة التي تنوء بالقضايا بعيدا عن الأفكار الخيرية التي أحيانا يساء فهمها من قبل عامة الناس .
أما النظرية التفاؤلية في هذا الخصوص , فتفرق بين العلم والعمل , والفارابي مثلا لا يحبز الاستغناء بالعلم عن العمل , بل هما طرفان لمعادلة واحدة , فتمام العلم عنده بالعمل , والفيلسوف الكامل في رأيه , هو من حصل الأمور النظرية , وكانت له قوة استعمالها في العمل , وقد ختم الكاتب الفصل بالتأكيد على رؤية أبى نصر كفيلسوف شرقي في أن الأخلاق يجب أن يتبعها من أراد تحصيل الفلسفة .
كما ركز الكاتب في ( الفصل السادس ) على شرح آراء الفارابي السياسية التي تمثل القسم الثاني من أقسام الفلسفة العملية عند الفيلسوف أبى نصر , وهى ترتبط عنده بأخلاق الفرسان السامية , وهو يضعها أحيانا ضمن علم واحد هو العلم المدني أو الفلسفة المدنية , والواضح أن آراء الفارابي تتجلى بقوة في رؤيته للمدينة الفاضلة كصورة مثالية يصعب تكرارها , كما عرضها في كتبه السياسية .
وقد بحث المؤلف عن آراؤه الاجتماعية مثل ضرورة الاجتماع الانسانى وطبيعته, وأقسام المجتمعات , والتفسير العضوي للمجتمع , ومضادات المدينة الفاضلة من المجتمعات والمدن غير الفاضلة , ولهذا يجب عقد مقارنة بين آراء الفارابي في مدينته الراقية فوق الضغائن , وآراء أفلاطون في جمهوريته السامية , ومن ثم التوصل إلى نقاط الاختلاف القوية بين الفيلسوفين رغم وجود بعض نقاط الاتفاق : فمدينة الفارابي إنسانية مستمدة من التصور الاسلامى للخلافة الرشيدة , وللدولة التي تشمل مختلف الأمم والشعوب دونما تمييز , بينما جمهورية أفلاطون تنطلق من رؤية ضيقة للمدينة اليونانية , ولذا نادي الفارابي بمجتمع المعمورة الذي يضم عدة شعوب وأمم , بينما لم يعرف ذلك أفلاطون .
ولعل المطلوب من خلال تلك التفرقة هو استخلاص القيم الايجابية للإنسان وتعظيمها , كما حدث في معالجة الفارابي , وإيضاح أن الرؤى المتميزة يجب أن تستند على مضمون فلسفي صحيح بحيث يحدد أبعاد علاقة الإنسان بعالمه الخارجي , والأبعاد الأخلاقية التي ينبغي السمو بها فوق دنايا النفوس المريضة .
ومن ثم فالفلاسفة المسلمين قدموا أروع الأمثلة في ما يتعلق بتطوير السلوك الانسانى حيال المجتمعات , وكيفية تحديث العلاقة الطبيعية بين البشر من زاوية بناء الحضارات والخلافات , أما الغرب فقد دأب على اعتبار عصر النهضة هو العصر الذي أصبح فيه الإنسان محورا لاهتمام الفلاسفة والمفكرين والشعراء .
ولكن بعض الغربيين أخفقوا عندما اعتبروا أن العصور والحضارات السابقة , كانت تبخس حق الإنسان وتجعله مستسلما للغيب والقدر , فالحضارة الإسلامية مثلا لم تكن سوى رسالة رقى بالبشرية جمعاء , وحملت مشاعل النهوض بالإنسان كفرد عامل وكجزء من المجتمع , أما دور الإنسان الفاعل في المجتمعات المعاصرة فلا يقتصر على النقل والتراجم , لكن ينبغي أن يكون مؤثرا تأثيرا نابعا من الداخل للتغيير , والتبديل , والتحديث لما تركه الفلاسفة والأدباء والشعراء , ليطفو النابهون على سطح الساحة الثقافية الدولية .
إصلاح منهجي
لعل الإيمان الحقيقي هو الشعلة الدائمة , والتي تضيء جنبات الحياة الفلسفية الإسلامية , وتجعلها حركة معرفية تتميز عن غيرها من الثقافات الغربية والأجنبية, وهذا الإيمان الكبير انعكس بالفعل على مراحل التطور الحياتي للمسلمين لقرون طويلة جعلت الحضارات الشرقية تنضج بألوان الفنون والفكر والإبداع , وتنعكس على أوجه الفكر المستنير للعلماء .
وما أحرى الأمم الحالية أن تستلهم القيم الايجابية من خلال الصور التي رسمها رواد الحضارات الإسلامية , من أجل إصلاح الإنسان عبر القرون عامة , والبشر في المجتمعات المدنية على وجه الخصوص , وللنهوض بفكر المواطنة الفاعل , وتعظيم الإبداع كأداة خصبة لترك ارث التراث الحضاري لينتقل بين الأمم , وهذا الإحياء سيكون شكليا في البداية عند نقل أوجه التناغم الحضاري بين الشعوب , لكن سرعان ما يتم استبيان حقيقة التغيير والتبديل في المعاني والكلمات المنقولة والمستحدثة لتكون نصوصا رائعة للمبدعين , ليشار إليها بالبنان من عمق ثقافتها ونقاء سريرتها وعلو مكانة روادها العظام .
إن المطلوب المزج بين الثقافات المستنيرة والأفكار الحضارية , كما سعت الفلسفة الإسلامية طويلا لصناعة العقول المضيئة والقلوب الخافقة بالإيمان , وتلك أسس حضارية تعيد تشكيل البني التحتية لأي أمة , وتدفعها نحو الأمام , ونحو التغيير والإصلاح إلى الأفضل في كل زمان ومكان .


أعلى





في كتابه " العلم في مجتمع حر"
باول فيرآبند : امتزاج الثقافات أدى إلى تطور أشكال الحضارات والثقافات العلمية جزء أصيل من الحضارة الحديثة

القاهرة : حسام محمود
لا شك أن الفيلسوف الغربي باول فيرآبند يعد ظاهرة غربية غريبة من نوعها, ذلك أنه الغربي الوحيد على الساحة الثقافية الأجنبية الذي يوجه انتقادات لاذعة للحضارات الغربية على مواقفها من الثقافات الأخرى, بجانب مواقف باول فيرآبند التي تسير في ركب العديد من المستشرقين أمثال ماركس مايرهوف, وسارتون, ورودنسون, وكاجورى, ونللينو, ومانسنيون, وغيرهم, وكذلك أخذ الكثير من إبداعات المؤرخين وفلاسفة الحضارات الغربية أمثال أرنولد توينبى, وشرودنجر, لكن باول فيرآبند يزيد عليهم بتحليه بسلاح العلم في انتقاداته للغربيين أثناء تناولهم للثقافات الشرقية لإثبات تفوقهم الحضاري الغزير.
نقد الثقافات
يستهل المؤلف في كتابه " العلم في مجتمع حر" باستبيان حقائق كثيرة كانت مختفية لفترات طويلة عن الساحة الثقافية العالمية, وفى مقدمتها إدراك أن العلم لعب دورا كبيرا في بداية العصر الحديث في انتشال أوروبا من براثن تخلف العصور الوسطي, التي سميت بعصور الظلام, ومن ثم قيادة العالم وغزوه عسكريا وثقافيا, فقد انتصر العلم الحديث على عناصر الثقافة الغربية القديمة والوسيطة, وبلغ أوج تطوره عندما أمكن تطبيق نظرياته عمليا في التوسع الصناعي, فشهد العالم ما قد سمي بالثورة الصناعية التي استطاعت لأول مرة في التاريخ, أن تراكم الإنتاج, مما استلزم تصريفه وتسويقه, فبدأ عصر الاستعمار الغربي الذي يحمل بجانب العتاد الحربي المتقدم أخطر وأمضي الأسلحة وهو العلم.
ويؤكد المؤلف أن العالم الغربي أخذ فرض كلمته على الكثير من الشعوب المتخلفة والفقيرة بالعلم والإنتاج, وبعتاد غير تقليدي يستند على ثقافات العقول, رغم ما ينبري من سلبيات الاحتلال البغيض والاستعمار الدفين, الذي يوارى الثرى معه الكثير من نفائس العقول ومقدرات القوى البشرية والمادية بالبلدان المحتلة.
ولكن الأخطر من ذلك كان في رغبات الاحتلال الاجنبى للبلدان النامية في فرض السيطرة على مقدرات الشعوب الأدبية والفكرية ومعتقداتها الثقافية والتراثية, وطمس هوياتها المعرفية والعلمية بألوان العلوم والمبتكرات الغربية, التي تعد دخيلة على المجتمعات الشرقية والنامية, خاصة وأنها تكون في طور البناء والتشييد لعصور ما قبل الانفتاح الخارجي, وبعد عقود طويلة من ظلمات التخلف, فلا تجد بدا سوى الاستعانة بثقافات الاحتلال الاجنبى لتحل محل ثقافاتها الموروثة, ومن ثم تبدأ مراحل من الفكر المتغير ليحمل معه عبق الحداثة.
ولقد فرض العالم الغربي لعقود طويلة صور الاستعمار المعرفي على العقول العربية, وهو الاستعمار الذي بنى على أساس تعديل المناهج الدراسية, وغرس دراسات جديدة مبتكرة تقوم على أنظمة أجنبية تبعد كل البعد عن جوهر الحضارات القديمة, سواء كانت لشعوب العالم ذات الحضارات القديمة العريقة, كالحضارة المصرية الفرعونية, وحضارة ما بين النهرين, وحضارة الصين, وحضارة الهند, أو حضارة شعوب العالم الاسلامى الذين خلفوا ورائهم حضارة لها أكبر الأثر في نمو وتطور الحضارة الغربية ذاتها, أو الشعوب البدائية في آسيا وإفريقيا, وكلها حضارات ارتشفت من عبير الثقافات المختلفة وتلونت بها.
كما افتتح العالم الغربي بعد ذلك قارات جديدة ( أميركا وأستراليا ) فطمس ثقافات شعوبها الأصليين ( كالهنود الحمر والمكسيكيون والقبائل الاسترالية), وأضحي النموذج الغربي هو النموذج الوحيد الذي فرض هيمنته طويلا على كل شعوب المعمورة, وفى عصور نظر فيها الغربيون إلى العالم على أنه كوكب ممتد إلى ما لا نهاية, ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى ما قامت به رحلات الاحتلال من غزو للبلدان لطمس الهويات وفرض ثقافات بعينها وتغيير هياكل المجتمعات.
تجديد الأفكار
يوضح الكاتب أنه لدور العبادة ودور السلطة في العديد من البلدان نفس الاختصاصات إلا أن انفصال تلك الدور في العصر الحديث نتج عنه كثير من التناقضات الثقافية التي أحاطت النهج الانسانى للشعوب, ولعل الاتفاق القائم في هذا الشأن في العصر الحديث هو حول كيفية تطوير الأفكار العلمية لخدمة البشرية عبر دور العلم والعبادة, وتطويع العلاقات الإنسانية للمعالجة العلمية للموضوعات الثقافية, وتحليل القضايا المرتبطة بالموروثات والمعتقدات الراسخة عند الشعوب.
وحتى العلاقات الإنسانية صارت موضوعا للمعالجة العلمية والمعرفية للنقاد والأدباء والدارسين, كما هو مبين في برامج التربية والتعليم, وأضحت اقتراحات تهذيب المسجونين والتدريبات العسكرية وتمرينات الطلاب والتدريبات الرياضية والمدرسية جزءا لا يتجزأ من التربية الشخصية لطبقات كثيرة من عامة الشعب, فأمسى العلم خلال الحقب الماضية والحاضرة عبر مؤسسات تفرض سيطرتها على الجميع, ولها كلمتها النافذة على القلوب والعقول, بل وأحيانا يهدد العلم قلاع الديمقراطية عن طريق فرض سلاحه المعرفي على الشعوب.
ولعل الايدولوجيات الثقافية والمعرفية المعاصرة قد لاقت قبولا واسعا من أنماط الدارسين والمتابعين لما يجرى على الساحة الميدانية الفكرية والأدبية, وما ينعكس على أروقة المثقفين, وليس بخاف أن العلم كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر قوة تحررية بسبب ايدولوجيا ته التي فرضت نفسها, وصارت لها تأثيراتها السيكولوجية التي تمخضت عن أفكار شديدة التأثير في المجتمعات.
والسبيل الوحيد للسيطرة على طغيان العلم في القرن العشرين هو أن تخضع مؤسساته للرقابة الشعبية عبر المؤسسات الديمقراطية, وأن يتولى الرجال العاديون الإشراف على منابر العلم, وصناعة الكلمات بما يحبز أرباب العلم على الانخراط في المجالات المجتمعية لخدمة أوطانهم, وإفراز المزيد من المواهب الثقافية التي تكون لها خطوات جادة بإخراج المنجزات الحديثة, والمبتكرات البازغة, وفى نفس الوقت يستطيع الإنسان العادي خدمة مجتمعه بأسلوب علمي عبر أبواق التجديد, وبوسائل معولمة الملامح والمضمون والتأثير.
أما مدارس العلم الحديث فهي مدارس عديدة تشهد على تفوق العلم على أرباب الثقافات المختلفة, بجانب صعود المدافعين عن تيارات الكلاسيكية الأدبية فوق الأعناق ليتكرر ما حدث في الغرب خلال حقب الثورة الصناعية, بينما تراجعت تلك التيارات حاليا لتبزغ شموس الواقعية الأدبية فوق المعطيات الثقافية لتكون شاهدة على موروثات العصر الحديث, وما شابها من اطروحات عديدة, ولهذا تنفق البلدان مبالغ طائلة على تحسين الأفكار العلمية في دور التعليم والجامعات, وتطويع موضوعاتها المبتكرة التي تتقاسم مع العلم أسمه فقط بالكاد, مستفيدة من ذلك برواج أسواق العلم, وانعكاسها على كافة الأنماط الثقافية المعاصرة.
ولقد خضعت الأفكار الإنسانية للمعالجة العلمية طويلا كما هو مبين في برامج التعليم, والاقتراحات الخاصة بالتدريبات الذاتية للأفراد على الفنون والعمارة, وكيفية الإطلاع والدراسة الميدانية التي تعبر عن الحقائق والمبادىء الفلكية, والبيولوجية, بل إن الفلاسفة صاروا ينحنون أمام رأى العلم, لتقوم مؤسسات عريقة بين ردهات الواقع, وتسطع خلالها معاني الكلمات والألفاظ المعبرة عن ما يجيش به المجتمع من أفكار, خاصة أن كل مجتمع قد صار جزءا لا يتجزأ من المحيط الثقافي العالمي, وبالتالي يؤثر ويتأثر بأفكاره ومعطياته العلمية والأدبية.

أعلى





الأسيرة ووادي النطوف

صحوت مبكراً صباح أمس كالعادة رغم أن السبت إجازة أسبوعية، ففي مساء أول أمس، فاجأتني الصديقة الطيبة هالة كيله وهي عضو بالهيئة الإدارية لجمعية الروزنا في بيرزيت، بدعوة لرحلة سيكون معظمها سيراً على الأقدام، وهي بعض من فعاليات مهرجان الربيع من برامج جمعية الروزنا، في رحلة تجوال في بعض المناطق القريبة من بيرزيت للتعرف إلى الوطن والطبيعة ومعانقة التاريخ. هذه الجمعية المهتمة بتطوير التراث المعماري والحرفي في بيرزيت، جمعية أهلية غير ربحية، بدأت فكرتها تتمحور في العام 2006 من خلال مجموعة من أبناء بيرزيت من أصحاب البيوت والأحواش في البلدة، إضافة إلى أصحاب خبرات في مجالات مختلفة ومهتمين بتنمية البلدة القديمة بشكل خاص والريف الفلسطيني بشكل عام. لإحداث تراكم تنموي للريف من خلال دراسات وفعاليات ونشاطات لإعادة تأهيل وإحياء التراث المعماري والحرفي، بهدف المحافظة على ميراثنا الثقافي والمعماري الذي هو هويتنا وحضارتنا، وتحويل البلدة القديمة في بيرزيت إلى جسم نابض حي، وذلك من خلال التنمية الريفية السياحية، وضخ الحياة في الأحواش والبيوت والعليات والساحات، لإعادة جذب السكان وتشجيع التنمية والاستثمار في البلدة، ومن ثم إكسابها مكانه دائمة على خريطة فلسطين السياحية.
احتسيت قهوتي وسرت في دروب رام الله أستنشق الياسمين متجهاً إلى بلدة بيرزيت. قبّلت رام الله مودعاً، ولكن روحها رافقتني، وفي بيرزيت هذه البلدة العريقة تجولت قليلاً والتقطت بعض الصور، فقد وصلت مبكراً وشدتني العراقة فيها، هامساً لها: أيا بيرزيت سيكون لي معك جولة خاصة في رحابك ودروبك وعبق تاريخك الجميل، لأصل نقطة التجمع وألتقي مع منظمي الرحلة والحضور الذين سيشاركوننا الرحلة. احتسينا القهوة وصعدت إلى الحافلة الأولى التي ستكون مقدمة المسيرة من بين أربع حافلات ستشارك في برنامج اليوم، ولكل حافلة قائد يشرح عن أماكن التحرك ويعطي التعليمات، وكان قائد رحلتنا السيدة تيدي وهي امرأة في غاية اللطف وخفة الروح، فأضفت على أجواء المسير طابع لطيف وطيب.
تحركت بنا الحافلة لتعبر جسر عطارة إلى حديقة مقام القطرواني، ومن هناك كنا نطل على الساحل في البعيد، تداعبنا النسمات الغربية وعبق البحر السليب، فتجولنا في الحديقة والمقام وبقايا آثار لكنيسة كاترينا البيزنطية التي لم يبق منها إلا بقايا أعمدة، ثم إلى موقع مقام الأسيرة مقابل بلدة بيتللو، وهو بيت قديم مهدم، تقول الأسطورة إن امرأة عشقت رجلاً في تلك المنطقة، فحبسها أهلها حتى ماتت، ونبتت الأشجار كثيفة تلتف حول المكان، وراجت أسطورة أخرى أن من يكسر غصناً من تلك الأشجار يصاب بلعنة الأسيرة، فرأيت جذع شجرة ممتداً على سطح الأرض ضخماً سميكاً ضارباً في العمر والتاريخ، وفي الأسطورة أيضاً أنه كان منتصباً، لكنه حزناً على العاشقة الأسيرة نام أرضاً وبقي هناك يتألم وينـزف قطرات الصمغ وكأنها دموع على شهيدة الحب.
تحركنا إلى بلدة بيتللو التي تقع إلى الشمال الغربي من رام الله، ويعتقد أن اسمها تحريف لكلمة بيت إيلو بمعنى بيت الله، وذكرت في العهد الروماني باسم (اللون)، ودعاها الفرنجة في العصور الوسطى باسم (بيت الله)، وتحيط بها أراضي قرى كوبر، المزرعة القبلية، عابود، دير عمار. تحتوي القرية على محاجر ومدافن في الكهوف، وفيها خربتان أثريتان هما: خربة كفر فيديا وكفر صوم، تضمان جدران أبنية مهدمة، ومنها إلى دير عمار الملتصقة بها، وتحيط بها أراضي: جمالا، وخربثا المصباح، ورأس كركر، والمزرعة القبلية، والجانية، وكفر نعمه. يقع إلى الجنوب منها خربة الميدان، وتحتوي على جدران متهدمة وأساسات وصهاريج منقورة في الصخر، كما يجاورها قرى خربة الشونة، وخربة الدكاكين، حيث نزلنا من الحافلات في دير عمار كي نلتقيها بعد الظهر في عيون الزرقاء، وبدأنا في العاشرة والنصف صباحاً رحلتنا سيراً على الأقدام لنتسلق طريقاً زراعية صعوداً إلى جبل النبي غيث أو جبل الأرواح كما تسميه الأساطير، حيث مقام غيث بين الأشجار الصنوبرية على رأس الجبل، والمقام قديم وأعتقد أن عمره حوالي خمسة قرون، وهو نسبة لرجل متعبد سكن قمة الجبل وزرع بعض الأشجار الصنوبرية، وبعد وفاته أصبح مكان إقامته مقاماً يزوره الناس تبرّكاً حتى أطلقوا عليه اسم النبي غيث، وفي فترة ما بعد النكبة والوحدة مع الأردن قام الجيش بتشجير قمة الجبل، لكن الأهالي احتجوا على زرع الجبل بأكمله خوفاً على أراضيهم الزراعية، وبقيت القمة مشجرة بأشجار جديدة حول القديمة، واستغلت أسطورة مقام الأسيرة، وأُشيع أن من يمس الأشجار يغضب عليه النبي غيث، فنمت الأشجار وأصبحت غابة على قمة الجبل الأجرد الحواف وكأنها قبعة خضراء، ثم هبطنا من هناك في الاتجاه المعاكس لصعودنا الجبل إلى وادي النطوف لنتجه حوالي سبعة كيلومترات باتجاه عيون الزرقاء، في واد ساحر الطبيعة والجمال، كل أشجاره وصخوره تتحدث عن عبق التاريخ، فهذا الوادي الذي يمتد مسافة طويلة يحمل اسمه نسبة إلى الحضارة النطوفية في العصر الحجري الأوسط والتي تمتد ما بين ثمانية ألآف إلى أربعة عشر ألف عام قبل الميلاد، وهي الحضارة التي انتقلت من مرحلة الصيد إلى مرحلة الزراعة والاستقرار، وقد اكتشفت آثار هذه الحضارة العام 1928 على يد المنقبة دوروثي غارود في الكهف المعروف باسم (مغارة شقبا)، وتعتبر هذه الحضارة الخطوة الأولى في مرحلة بناء المجتمعات الزراعية في بلاد الشام، وأثناء سيرنا هذه المسافة كنت أرى في المزارعين أبناء المنطقة تاريخ المنطقة وروح الوطن، وأنظر إلى جنبات الوادي وصخوره الهائلة والكهوف المتناثرة فيه، وأشعر بأرواح الأجداد تجوله. تنظر إلينا وتهمس: الأرض لنا ونحن من حفرنا الصخور وزرعنا الأشجار ونثرنا بذار القمح والشعير، فواصلوا المسيرة، فهي أرضنا نحن وليست للغرباء.
من العاشرة والنصف حتى بعد الثانية عصراً واصلنا المسيرة في حالة تناغم مع الطبيعة والجمال، بقايا أثارات قديمة، وعيون ماء منعشة، وبرك ماء تستخدم للزراعة (لكن المؤسف له أن من مروا من هناك لم يهتموا بالنظافة، فوجدت في كل موقع بقايا الأطعمة والورق وعلب فارغة، فهل من يمر لا يفكر أن هذه الأرض لنا جميعاً وأن عليه المحافظة على نظافتها؟) حتى وصلنا إلى عيون الزرقاء لنرتاح، ويتناول من يرغب الطعام من مأكولات تقليدية وشعبية أعدها بعض من أبناء المنطقة بأسعار معقولة، ونتحدث ونستمع إلى عزف العود لأحد الشباب الذين رافقونا المسير قبل أن تغادر مجموعتنا المكان عائدين إلى بير زيت في الثالثة عصراً، فأنظر إلى بقايا سيل الماء بعد استيلاء الاحتلال على عيونه وأهمس لنفسي: لا بد من أن تعود عيون الماء قوية من جديد كما كانت عبر التاريخ.
وها أنا في هذا الصباح الجميل، أقف إلى نافذتي وحوض النعناع وأحتسي القهوة بعد أن تجولت بين عشرات الصور لهذه الرحلة بعدستي، أستمع وطيفي لفيروز وهي تنشد: (تبقى بلدنا بالحمام مسيجة، ويضحك عهالعلوات غيم بنفسجي، ولما على بنياتها يهب الهوى، يصير الهوى عأبوابهن يروح ويجي)، وأحلم بغد أجمل وصباح أجمل، وأهمس بيني وبين نفسي: شكراً للروزنا، كم رائع أنت يا وطن!
زياد جيوسي*
* كاتب واعلامي فلسطيني


أعلى




لإنقاذ البشرية من عاصفة رملية مدمرة
" أمير بلاد فارس " قصة أسطورية ممتعة تتلاعب بالزمن

القاهرة ـ إيهاب حمدي :

أحيانا وعلى فترات تتجه هوليوود إلى إنتاج أفلام مأخوذة من قصص، أو حكايات، أو أساطير عربية، أو إسلامية، كمحاولة لمغازلة العرب والمسلمين بتاريخهم وتراثهم الحضاري والفكري، وغالبا ما ينطوى تناول تلك القصص والأساطير على مغالطات تاريخية، أو إسقاطات متعمدة قد يكون هدفها التشويه، وقد يكون هدفها تجارى ليس أكثر من التسلية.
ولكن تظل في النهاية أفلام تداعب خيالات الشرق العربي والاسلامى، ومن العجيب أن تنتج الآن هوليوود فيلماً تجارياً ضخماً يتناول التراث الفارسي في وقت تتجه فيه أميركا و الدول الأوربية لإقرار عقوبات على دولة إيران الفارسية .
الفيلم الذي نتحدث عنه هو فيلم " Prince of Persia" أو، " أمير بلاد فارس " ، وهو أصلا مأخوذ من لعبة شهيرة بنفس الاسم مأخوذة من التراث الفارسي عن أسطورة تتحدث عن أمير و أميرة فارسية يتعاونان معاً لإنقاذ البشرية من عاصفة رملية مدمرة ناتجة عن غضب الآلهة على البشر .
أمير ليس من دماء ملكية
يبدأ الفيلم بتعريف المشاهد عن خلفية بطل الفيلم، فنعرف انه كان طفلاً متشرداً يتيماً يعمل ليقتات في احد أحياء مدينة ناسا الفارسية عاصمة الإمبراطورية الفارسية، حيث يراه الملك شارامان (رونالد بيكاب) ويعجب بمناوراته أثناء مطاردة الحراس له؛ فيقرر أن يتبناه و يضمه إلى ولديه ليصبح اخاً ثالثاً لهم، ويعطيه لأخيه نظام (بن كينجسلي) ليربيه، ويهتم به ، و سريعاً كبر الفتى داستان (جايك جيلنهول) و اصبح أميرا شجاعاً الجميع يحبه ويقدره لشجاعته؛ مما يجعل احد أخوته وهو جارسيف( توبي بيبل) يغار منه .
يذهب الإخوة الثلاثة بقيادة الأخ الأكبر تاس (ريتشارد كويل) ومعهم عمهم في مهمة عسكرية لمنع مدينة "المانت " المقدسة منة بيع السلاح إلى أعداء الامبراطورية الفارسية، و هناك يختلف الإخوة الثلاثة و معهم عمهم فى كون الغارة على المدينة المقدسة و احتلالها ضرورة ام يتبعوا التعليمات الملكية و يحاولوا الحصول على السلاح فقط .
يرفض داستان الإغارة على المدينة بينما يعمد الأخ الأكبر تاس بتحريض من عمه إلى دخول المدينة و احتلالها و اخذ الأميرة تامينا (جيما أرترتون) أميرة مدينة "المانت " المقدسة كأسيرة.
و لم يجد داستان مفر من المشاركة فى غزو المدينة و احتلالها بعد أن قرر الاخ الأكبر القائد تاس غزو المدينة و ينجح بالفعل في ذلك و يتم تدمير و احتلال المدينة و بينما يستولون على المدينة يقع خنجر غريب الشكل أثرى في يد داستان فيعجب به و يحتفظ به معه .
خيوط مؤامرة
بعد الانتصار الذي حققه الأمير تاس على مدينة "المانت " يأتي الملك الأب شارامان إلى المدينة و يوبخ ابنه الذي أمر باقتحام المدينة المقدسة تحت دعاوى وجود أسلحة بها تستخدم ضد الامبراطورية دون أن يتأكد ، و في غمرة الاحتفال يسلم الأمير داستان لأبيه الملك شارامان هديه مميزة عبارة عن ثوب ملكي من أفضل أنواع الأقمشة في المدينة وهو بالأصل أعطاه له أخيه الأكبر لكي يعطيها لأبيه و بالفعل يقبل الملك الهدية ويرتديها .
و ما هي لحظات حتى يشتعل ذلك الثوب في جسد الملك و يموت الملك فيظن الجميع ان داستان قتل الملك و يصبح مطلوباً للاقتصاص فيهرب داستان و تساعده فى ذلك الأميرة الأسيرة تامينا بعد سلسلة من المطاردات المميزة التى استخدم فيها الطراز المعماري المغربي بشكل جيد .
و يتقلد الأخ الأكبر تاس تاج العرش فيظن داستان أن أخيه الأكبر الذي أعطاه الثوب هديه لوالده هو صاحب المؤامرة فى قتل والده ليصبح ملكاً ، فيسعى لمقابلة عمه نظام ليطلعه على الحقيقة و لكنه حينما يلقاه يعرف ان عمه هو من دبر المؤامرة لقتل الملك فيحاول أن يحل اللغز بمساعدة الأميرة تامينا فيعرف بأمر الخنجر السحري و الساعة الرملية الموجود فى معبد مدينة المانت
والتي يستطيع من يمتلكها ان يغير الزمن و يرجعه للوراء كيفما شاء .
فيتذكر قصة كان يحكيها والده الملك كثيراً عن إنقاذ نظام لأخيه للملك من الموت حينما كانا صغيرين، فيحاول ربط الخيوط ببعضها فيستنتج داستان ان عمه نظام هو من حرض على غزو المدينة للحصول على الخنجر و تغيير الزمن و إرجاعه للوراء و عدم إنقاذ أخيه و بالتالي يصبح هو الملك الوحيد و في سبيل ذلك قتل أخيه الملك و تعاون مع مجموعة من الخارجين عن القانون يسمون (السانسيز ) وهم يجيدون استخدام الثعابين و الأسلحة المختلفة حتى يحصلون له على الخنجر و يقتلون الأمير داستان الذي اكتشف المؤامرة قبل ان يبلغ بها أخيه الملك تاس .
إنقاذ الامبراطورية و البشرية
يحتفظ داستان بالخنجر و يعلم من الأميرة أن سرقة الخنجر و الساعة الرملية لإرجاع الزمن للوراء قد يؤدى إلى غضب الإله وبالتالي هلاك المدينة و العالم إلا انه يتم الاستحواذ على الخنجر من قبل جماعات
( السانسيز) المتحالفة مع العم نظام ويبدأ فى تجهيز نفسه لاستخدام الخنجر و الساعة .
فى تلك الأثناء يطارد الأخ الأصغر جارسيف داستان للانتقام من أبيه إلا انه قتل أثناء هجوم إحدى جماعات السانسيز على داستان الذي يذهب إلى أخيه الملك ومعه الخنجر بعد أن يعيده مرة أخرى و يشرح له مؤامرة عمهم نظام فيقتنع الملك بكلام داستان بعد ان يجرب الخنجر بنفسه و لكنه سرعان ما يدخل العم نظام عليهم و يقتل الملك ويأمر بقتل داستان بعد آن يأخذ الخنجر من داستان .
يستطيع داستان الإفلات من القتل بمساعدة الأميرة تامينا ثم يذهب وراء عمه نظام محاولاً استرجاع الخنجر و إنقاذ البشرية بعد محاولات عديدة و قتال رهيب تحت الأرض في المعبد السفلى مما ينتج عنه مقتل الأميرة تامينا التي أحببها داستان في سبيل إنقاذ البشرية من الدمار .

يستطيع داستان التغلب على عمه وعلى عصابات ( السانسيز ) واستخلاص الخنجر بعد ان يموت عمه و كل أفراد العصابات و أخيرا يستخدم داستان الخنجر في إرجاع الزمن للوراء إلى ما بعد غزو مدينة المانت مباشرة حيث بداية الاحتفالات و قبل أن يموت أو يتأذى اى احد فيقف داستان في وجه أخيه و يخبره بحقيقة ما يحدث ويفضح مؤامرة عمه الذي يحاول حينئذ قتله و يفشل ، ثم يتزوج داستان من أميرة المانت بعد أن يخطبها له أخيه الأكبر ويعتذر عن تدمير أجزاء من المدينة وغزوها .
أجاد واضعي الموسيقى التصويرية للفيلم و المؤثرات البصرية و السمعية فضلا عن إخراج مشاهد ثلاثية الأبعاد وكان لها أثرا كبيراً في إمتاع المشاهد ، كما تميز إخراج مشاهد المعارك و المطاردات على أسطح المنازل وفي الأسواق ، وإجمالا الفيلم بكل مكوناته ممتع يستحق المشاهدة رغم بساطة قصته وعدم معقوليتها .
الفيلم الذي كتبه بواز ياكين، و دوغ ميرو، وأخرجه مايك نيويل مدته (116 ) دقيقة، يصنف ضمن أفلام الحركة،والمغامرات، والخيال، والرومانسية، وهو ضمن قائمة البوكس أوفيس الأمريكية لأعلى إيرادات عشرة أفلام أمريكية خلال شهر يونيو .


أعلى




"شريك للأبد " البحث عن الأشياء الرائعة في الحياه

كتب ـ إيهاب حمدي :
فيلم " Shrek Forever After " او " شريك " في نسخته الرابعة لا يقدم الكثير من الفكاهة الممتعة ولا حتى التشويق جيد الصنع فالحبكة الرئيسية للفيلم خلت من الإبهار و التميز بالرغم من استخدام تكنولوجيا ثلاثية الأبعاد في تصوير فيلم الانيميشن ، حيث في هذا الجزء يستكمل " شريك " الغول الأخضر الضخم رحلته التي بدأها في النسخة الأولى من الفيلم بإنقاذ الأميرة فيونا من ايدى التنين و تخليصها من لعنتها ثم الزواج منها ، ثم إنقاذ المملكة من الضياع أثناء فترة مرض الملك .
أزمة منتصف العمر
يعرض السيناريو في مشاهده الأولى الحياة الرتيبة التي يعيشها شريك مع زوجته الأميرة فيونا
وأولاده الخضر الثلاثة حيث أصبح منزل شريك و أسرته مزاراً سياحياً يأتي الأفراد لمشاهدة الغول الأخضر الضخم الذي كانوا يخافونه سابقاً وهو وديع هادئ غير مؤذى بل يحيا حياة هادئة مع الأميرة فيونا التي أنقذها من لعنتها ثم تزوجها بعد أن أصبح حبها الحقيقي .
يعود حنين شريك لأيامه الماضية أيام ما قبل إنقاذ الأميرة فيونا حيث جميع القرويين يخافونه و يهابونه و حيث يستطيع أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء دون أن يستطيع أن يمنعه احد .
يذهب في ليلة عيد ميلاد أطفاله مع زوجته و أطفاله للاحتفال في احد الحانات فى القرية فيقابل هناك باستهزاء الجميع الأطفال و الشيوخ و الشباب فالكل يريد ان يصرخ شريك صرخته الشهيرة القوية المميزة التي تجعل الكل يهتز بما فيهم الحانة نفسها و بالفعل يدفع دفعاً إلى الغضب و الاحتقان حتى تخرج منه صرخته قوية فينفعل و يخرجها فتريد زوجته الأميرة فيونا تهدئته فيخبرها انه مل هذه الحياة و انه يشتاق إلى حياته السابقة ثم يزيد فى ذلك و يخبرها انه الآن يتمنى أن لو لم ينقذها حتى لا يتحول حاله إلى هذه الحالة .
و لا يأبه شريك بما تحاول أن توضحه له زوجته حينما تخبره انه يملك ألان الكثير من الأشياء الرائعة مثل زوجة تحبه، و جيران يقدرونه ، وأسرة مستقرة وثلاث أولاد رائعين و لكنه يغادر غير مبالي بكلامها ، فيمشى بعيداً عن الحانة فيقابل شاباً يحتاج للمساعدة فيساعده ثم يعزمه على شراب في بيته فيذهب شريك مع هذا الشاب الذي نعرف في بداية الفيلم انه كان يريد أن يقايض الملك أبو الأميرة فيونا على ملكه في مقابل أن ينقذ الأميرة من لعنتها و لكن شريك سبق هذا الشاب و أنقذ الأميرة و تزوجها مما أثار بالطبع سخط هذا الشاب ـ الذي هو في حقيقة الأمر ساحر ـ على شريك .
مؤامرة قاسية
في منزل الشاب يشرب ويأكل شريك حتى يكاد يسكر فيخرج ما في صدره لذلك الشاب و يخبره انه اضجر من حياته وانه يشتاق لأيامه السابقة ، تلك الأيام التي كان يخاف منه الجميع و يفعل فيها ماش يشاء دون قيد و هنا يكشف الشاب عن نواياه الحقيقية ونعرف انه ساحر حيث يعرض على شريك مقايضه بأن يعيد له يوماً من حياته السابقة يحياه في مقابل أن يأخذ الساحر منه يوماً و يكتبا بذلك اتفاقاً و يوقع عليه شريك و بمجرد أن يوقع الاتفاق ينتقل شريك إلى سابق عالمه حيث الكل يخاف منه و حيث يقم بما يحل له ، فلا زوجة و لا أولاد و لا مسئوليات و لا اعتبارات لاى شيء و لكن لا يدوم الحال هكذا طويلا فسرعان ما تأتى الساحرات ليقبضن عليه وهن ساحرات تعملن تحت إمرة الشاب الساحر الذي خدعه من قبل و يستطيع الهرب منهن و أثناء ذلك يتعرف على حمار كان يعرفه قبل أن يتحول إلى الحياة الجديدة و لكن الحمار لا يتذكره و يكتشف أن الساحر قد اخذ منه يوم مولده مقابل اليوم الذي أعطاه له و بالتالي لا احد سيتذكره لا أصدقائه ولا زوجته و لا أولاده ولا احد سيتذكر انه أنقذ الأميرة فيونا أصلا.
يكتشف شريك تلك المؤامرة متأخراً و يعرف صديقه الحمار كيفية الخلاص من هذا الاتفاق وهو انه لابد أن يقّبل فيونا قبلة الحب الحقيقي قبل أن ينتهي هذا اليوم ليعود كسابق أوانه .
شريك يستعيد حياته و ينقذ الأميرة
يعرف شريك أن فيونا قد أصبحت الآن زعيمة المقاومة الشعبية ضد الشاب الساحر الذي أصبح ملكاً للبلاد فينضم إليها شريك على أمل أن يأخذ منها قبلة الحب الحقيقي فينجيا معاً و يحاول ذلك عدة مرات و لكنها كانت تصده فهي لا تتذكره و لا تعرفه ولا هم لها سوى الانتقام و مقاومة الشاب الساحر الذي استولى على ملك أبيها .
تدبر فيونا هجوم بمساعدة الغيلان على الملك الشاب و ينضم لهم شريك و تحدث الكثير من المعارك بينهم و بين الملك الشاب الذي يستطيع أن يقبض على كل من فيونا و شريك ثم يطلق عليهم تنين ضخم ليلتهمهم و لكن شريك يستطيع تخليص فيونا من هذا التنين و ينقذها بمساعدة صديقه الحمار .
يمر الوقت ولم يأخذ شريك قبلة الحياة حتى كاد اليوم أن ينتهي إلا أن فيونا تقبله قبلة الحب الحيقيقى وهو ملقى على الأرض مشارف على الهلاك بعد أن أنقذها، فتعود حياة شريك إلى سابق عهدها فيعود الزمن إلى يوم الحانة و إلى الاحتفال بعيد ميلاد أطفاله و يعبر عن حبه الشديد لزوجته .
الفيلم بالأساس موجه لجمهور الأطفال و الكبار و يحتوى على قيمة جيدة مفداها انه ينبغي لنا أن ننظر إلى الأشياء الرائعة في حياتنا و نحاول الاهتمام بها ، وقد اهتم الفيلم بمجموعة من المشاهد التي تظهر فيها بجلاء تقنية ال3dعلى حساب شعور الجمهور بالملل و الحبكة الأساسية من كثرة تلك المشاهد و عدم توظيفها درامياً جيداً .
فيلم " شريك للأبد " الذي أخرجه مايك ميتشيل ، و قام بكتابة السيناريو له كل من جوش كلاوسنر ، و دارين يمكه ، مدته (93) دقيقة ، ويصنف ضمن أفلام الرسوم المتحركة، والمغامرة، والكوميديا، والخيال ، وهو ضمن قائمة البوكس أوفيس الأمريكية لأعلى إيرادات عشرة أفلام أميركية خلال شهر يونيو .


أعلى




المعلم والجسر المعلق

البحر مازال يمدُ لسانه في اليابسة فيكوِّنُ شاطئين، شاطئ لكل ضفة. حلمتُ بالسفر على ظهر سفينة تجوب البحار، لكنني ظللتُ أسافر بين الضفتين اللتين يفصلهما الماء وبينهما قوارب الصيادين. أمشي على ذلك الشاطئ وحدي كل يوم، فأتذكرُ الأيام البعيدة التي حملها البحر في ذاكرته.
******
ولدُتُ مبصراً ولكن مرض الرمد الذي غير حياتي أقبل مع رياح الشمال، التي تأخذ السفن لوجهة بعيدة، أطفأ إحدى الحسنيين، وتعثرتْ الأخرى بعد أن أكملتُ السادسة، فتحققت نبوءة جدتي لأمي بأن أصبح معلماً للصغار.
وقع اختيار إمام المسجد على ابن صديقه البكر ليكون مؤذن الحارة فأصبحتُ الطفل الشيخ. هكذا لقبونني عندما لازمتُ خطى المسجد منذ أن كنت طفلاً صغيراً.
طفل عليل بسببه تم طلاق أمه. هكذا سمعتها خلسة من جدتي، التي هددت زوجة أبي الثانية بالطلاق إن لم تنجب الولد القوي المعافى. كان أبي يرى أن المرأة هي سبب رداءة وقوة الطفل الذي تنجبه. رزق والدي بأولاد كثيرين بعدي صحيحي الجسم ولكنهم يموتون فجأة.
من تقادير الأيام أن يكون المسجد هو الأقرب لبيتنا بجوار البحر، وفي الناحية الأخرى من الشاطئ ظهرت المدرسة بمقترح قدمه عجوز في المسجد أزعجته فوضى الأطفال في البيت فأراد التخلص منهم. صرخ العجوز فينا بأحد الأيام الشتوية بعد الصلاة بأن الأولاد لا بد من إشغالهم بما ينفع لتهذيبهم وتدريسهم علوم دينهم. ولم يجد لهذه المهمة إلاَّ المؤذن لتفرغه الدائم، وملازمته للمسجد. حسدني العجوز على هروبي من بيت أبي الذي يكثر فيه الصراخ والصياح بين زوجة أبي وأمه وزوجات إخوته اللاتي يسكن جميعاً داخل حوش واحد. لم أتفوه بكلمة واحدة على هذا المقترح الذي سيربطني بهَم جديد في الحياة مع أطفال الحارة وبمواعيد ثابتة تقيدني معهم. كم تمنيت ألاَّ يوافقوا عليه كما هو حالهم مع الأمور الأخرى التي سرعان ما يختلفون حولها فيتفقون بأن لا يتفقوا. لكن الله جمع كلمتهم على الاستراحة من مشاغبات أطفالهم التي لا تحتمل، بوضعهم كالمشنقة على رقبتي وهم الذين فروا منها.
أيد الجميع الفكرة الرائعة، ووقعت المصيبة فوق رأسي. لم يستطع أبي إلاَّ أن يتدخل فجأة، وقال:"هذا المدرس تترتب عليه طلبات. ستكون مسؤلياته كثيرة. نريد تزويجه قريباً، ليعوضه الله بالأولاد نوراً في الأرض".
أراد والدي أن يكون شهماً في نظرهم فأصر أن الأمر متروك إلى كل واحد منهم، حسب سعته، وعدد أولاده، والمناسبات التي تمر على المعلم، ويجب أن يتشارك الجميع في تقديم العون له في كل ما يحتاجه.
ورغم أنهم صيادون ومساعدون في السفن إلاَّ أنهم وافقوا بعد تردد على المقابل. تعاهد الجميع على إقامة المدرسة. في غمرة الضوضاء أصخيتُ سمعي لما يحدث. لم أسمع صوت العجوز مقترح الفكرة الذي بدا لي أنه شَرَدَ بذهنه بعيداً. خُيِّلَ لي أنه تحسر على مقترحه، فالمعلم سيحصل على مال ومساعدة دائمة، وفوق ذلك سوف يتزوج. وهو ملزم الآن بالمساعدة. هل يعجبه ذلك يا ترى؟ هل سيزوجني حفيدته أو إحدى قريباته، وقد صرتُ معلماً وشيخ مسجد؟ أردت النظر إلى وجهه والتفرس فيه بدقة. حركتُ رأسي بحثاً عنه. لم أسمع صوته، ولم أستطع رؤيته. تذكرتُ حينها أنني أعمى.
لم أظلم العجوز بخيالاتي، فأنا لم أظلم أحداً. رفع صوته مستوقفاً الجميع: "ماذا لو أراد المعلم الزواج بأكثر من فتاة دفعة واحدة؟" تناسى الجميع حرمة المسجد وانفجروا بنوبة ضحك صاخبة. تقلب بعضهم على الأرض من شدة الضحك. استوقفتهم متسائلاً بضحكتي المكتومة، وهل قمت بالزواج من الأولى كي أفكر بالاخريات؟ الكثير من النساء في الحياة يسببن الصداع، ولم يدرك العجوز تلك الحكمة التي خبرتها في منزل أبي.
انتهى الكلام وبدأ الصيادون الأفعال. انهمكَ الجميع بوضع اللبنات في مكان المدرسة، وحددوا أوقات بداية وانتهاء الدراسة فيها. أما أنا فكنت أقعدُ على الشاطئ، أشرد عنهم بخيالي الذي حُمِّلَ برغبتي في السفر وركوب البحر الذي حرمت منه.
كانت رحلتي اليومية بين المدرسة في الشرق والمسجد في الغرب تفريج لهمي القديم الجديد حيث كان تنقلي بينهما هو إبحاري الدائم بين أمواج الحياة. تزوجت بعد مدة ليست بالقصيرة على افتتاح المدرسة. ولم يفٍٍ أي من المتعاهدين في المسجد بمساعدتي، فقد مات والدي الحامي الأول للاتفاق ونسي الجميع كلامهم. لكنني استطعت الاعتماد على نفسي في توفير مهر العروس. كنت أقرأ للأموات المصحف كاملاً، وأصوم عمن فاته الصيام منهم.
كان الأموات هم الأوفياء، وكانوا سبباً في إسعادنا على الرغم من غيابهم عنا. ولسخرية الحياة أخذ الموت نفسه زوجتي الحبيبة غرقاً في الوادي القريب من بيت والديها حين أصرت على زيارتهم، ولارتباطي بالمدرسة لم أستطع مرافقتها، فكان قدرها الرحيل المبكر وقدري الوحدة في هذا العالم.
لم يكن تعليم الصغار مهمة سهلة. أنهضُ مع خيوط الفجر الأولى للأذان في المسجد الذي أصبح هو الآخر مهمتي الرسمية الإضافية. أصادف الصغار الذين يتفننون ببراءتهم في التهرب من القراءة وخلق الأعذار. انقضت سنوات وسنوات وتبدلت الأحوال، وكبر الأطفال، وأصبحوا معلمين في المدارس التي أقامتها الحكومة والكثير منهم انتقل للعمل في العاصمة. توسعت الحارة كذلك وامتدت يميناً وشمالاً، وكبر المسجد الذي توسع هو الآخر عشرات المرات، وزاحمت البيوت المدرسة القرآنية التي حافظت على أبعادها وحدودها القديمة كما كانت.
تقدم بي العمر، لكنني واصلت ترحالي اليومي بين المسجد الذي أصبح له إمام ومؤذن من الحكومة يقومان عليه، والمدرسة التي قل مرتادوها بمرور الأيام، حتى أن الكثير من الناس قدم لي النصح بإغلاق المدرسة وطلب الراحة بأن أبقى في البيت، لكن إجابتي كانت مصرة أنه طالماً ظلَّ بي قلب ينبض سأستمر بالذهاب إلى المدرسة وأني مازلتُ وفياً بالعهد القديم الذي قطعته قبل عشرات السنين.
ازداد الكلام حول صحتي وقالوا أنني أنسى بعض التفاصيل لدرجة أني نسيت مرة نعالي في المسجد بعد صلاة الفجر ومشيت حافياً إلى المدرسة، فطلبتُ من أحد الأولاد الذهاب إلى المسجد وإحضارها لأن رجلي لم تسعفني لذلك. حاولتُ أن أشرح لهم لاحقاً أن ذلك لم يحدث، لكن الطفل أبلغ جميع من في الطريق بأن المعلم نسى نعاله في المسجد، هكذا قالوا. لم يشاؤوا أن يواجهوني لكن أذني سمعت ما دارَ فملأتني الغصة.
أقبل شيخ الحارة ليبلغني برغبة الحكومة في بناء جسر معلق يربط شاطئ الحارة بالضفة الأخرى، وتكون نهاية الجسر على حدود المدرسة التي يجب أن تزال. ناقشته بحدة عن السبب الملح لإزالة مدرسة وإقامة جسر معلق.
ألم يتعود الناس على العيش بالحارة بدون الجسر؟ كانت أمنياتي ترى المدرسة وهي تكبر، ويزاد طلابها، ومعلموها كما هي المدارس الأخرى. لم أتوقع أن معاول الهدم ستطالها يوماً.
حرص الشيخ على توصيل فكرة الحكومة عن المصلحة العليا التي حتمت ذلك، وأن الجسر سيختصر على الناس الطريق القديم ويكون الأسرع. نعم كان الأسرع في تدمير المدرسة منارة الحارة ومن فوقها أحلامي.
قال إن القرار النهائي قد صدر فلا رجوع عنه، وبأنني رجل مخلص ومتفاني لخدمة العلم، ولكن الوقت قد حان لتكريمي، وأنهم أحالوني للتقاعد، كجثة رفضها البحر فقذف بها نحو الشاطئ.
******
خرجتُ من البيت ربما للمرة الأخيرة، أو قبل الأخيرة لأودع الشطآن القريبة من المدرسة. نظرتُ للبحر كما فعلتُ قبل سنين بعيدة وكتبت وصيتي على شاطئه: فلينحت على شاهد قبري "أعمى قتله جسر معلق، فعسى أن يجتاز كل الجسور إلى الجنة".

سعيد محمد السيابي


أعلى





كومة شوكولاتة

طفلة وكومة من الشوكولاتة الملونة.. احتضنت الكومة بأرجلها الصغيرة المقوسة، لم تستقر عيناها تفعالت مع الكومة باندهاش مفر!! لم تدرك من اين تبدأ بالاخذ من هذا الكنز الثمين، غمست كلتا يديها في الكومة، خنقت كل حبات الشوكولاتة بأصابعها الصغيرة، التهمتها بشراه، نملة مكتشفة بالجوار.. وقعت حواسها الاستشعارية على كومة الشوكولاتة.. قامت بالاتصال السريع بأقرانها من النمل.. (عليكم الحضور بوجه السرعة قبل ان تلتهم هذه الطفلة الشرسة كل الشوكولاتة).. اعلنت حالة الطوارئ والاستنفار في قرية النمل.. تحركت قوافلها نحو الهدف، برهة من الزمن حتى وصلت لموقع الهدف، تنظيم في صفوف النمل وضبط ايقاع التحرك بشكل فرق، دونما اكتراث تواصل الطفلة الانقضاض على كومة الشوكولاتة، جموع النمل تحاول الاخذ من الكومة التي يتناقص حجمها.. انتبهت الطفلة لتقدم النمل ومحاولتهم الوصول إلى كنزها الثمين.. بدأت بالعراك المستفيض مع جموع النمل، اطبقت الحصار على الكومة اكثر واكثر.. بدأت في اظهار غضبها من تطفل النمل ومشاركتهم كنزها الثمين دون إذن..
كان الحل الأمثل ان تسارع التهام باقي الشوكولاتة.. حتى قضت عليها تماما.. قطعة صغيرة اندست بين قدميها.. تجمع عليها النمل وهي تأمل في دفعها بعيدا عن أنظار الطفلة لترجع بها على اقل تقدير كحصيلة لهذا اليوم.. رفعت الطفلة رجلها للنهوض، شاهدت محاولة النمل المضنية في دفع الحبة الباقية.. شاط غضبها وهوت بيدها اليسرى على الحبة الباقية حتى صعقت النمل بضربة قاضية..
غمرتها نشوة الانتصار.. وبكل هدوء نفضت عن يدها عصارة الشوكولاتة في ثوبها المدرسي، والمصادفة انه كان يومها الأول بالمدرسة، حيث لم تبق ثوبها نظيفا كما وعدت امها!!

انور الرزيقي


أعلى




أخطاء قد تبدو صغيرة

(1)
وأين تكمن المشكلة إذاً؟ في الخطأ أم في من قام بارتكابه أم في العوامل التي ساعدت على ارتكابه؟ لا تنتظروا إجابةً واحدة على كل ما ذكر فأصابع الاتهام ستشير إلى الخطأ وإلى الذي قام بارتكابه وإلى العوامل التي ساعدت على ارتكابه من قريبٍ أو من بعيد.. المهم أن هناك خطأً قد وقع ووراء كل خطأ مُخطئٌ كتب له القدر أن يرتكب الخطأ ذات حين وقد يكون آخر الأخطاء, وربما يكون فاتحةً لارتكاب أخطاءٍ قادمة نندم في حين على فعلها في انتظار أن نستقي العبر والدروس منها كذلك .. والشاطر هو الذي يتعلم من أخطائه..

(2)
قال الأول : الخطأ يبدأ صغيراً ثم يكبر رويداً رويداً حتى يغدو شبحاً يُطارد صاحبه رغم أنفه في كل زمانٍ ومكان, ومع مرور الوقت سيصعب كبح جماحه ليصبح الآمر الناهي لتتعدد بعدها الأخطاء لنردد يا ليت ويا ليت ..قاطعه الثاني قائلاً : الخطأ في ظاهره فعلٌ قبيح قد يُورد مرتكبه المهالك وفي باطنه فعلٌ حميد نرتكبه اليوم ونتعلم منه غداً.. دخل الثالث على الخط بقوله: لو اعتبرنا الخطأ مؤشراً خطيراً على قدوم أخطاءٍ أخرى في الطريق فذلك فعلٌ ظاهره شر وباطنه خير, شرٌ قد يوقعنا في فخ الخطأ وخيرٌ قد يجنبنا خطر الأخطاء القادمة.. وبتعدد الأسباب تتعدد الأخطاء ..

(3)
ذات يوم ٍلبدت السحب السوداء سماءه دارت في ذهنه فكرةٌ لم تخطر على باله من قبل، أن يفعل ماذا؟ أن يُدون جل الأخطاء التي اقترفها طوال الأسبوع الفائت صغيرها وكبيرها بغية بلوغ جادة الصواب وعدم تكرارها في قادم الأيام.. نفذ الفكرة بحذافيرها, لملم شتات الأخطاء التي تذكرها عدا التي لم يتذكرها, غزت الدهشة وجهه من جراء ما دونه من أخطاء, لم يتوقع بأن يكون سيئاً إلى هذا الحد من السوء.. عدد الأخطاء, جمعها قسمها ضربها طرحها قاطعاً على نفسه وعداً قد لا يَخلفه ذات يوم بأن يقع في شراكها في قادم السنين.. وقد يفي بالوعد وقد تعود (حليمة إلى عادتها القديمة)..

(4)
"الأخطاء تؤلم بشدة عند وقوعها لكن بعد سنوات, هذه المجموعة من اّلأخطاء تحمل اسم الخبرة" دينيس ويتلي ..

يَعقُوب البُوسعيدي

أعلى




أطروحة نظرية نحو إعادة قراءة وتفكيك بنية المدينة العربية الإسلامية
منهجية التحليل بالمقارنة وفكرة المدينة "الأساسية"!
'Analysisـbyـcomparison methodology'!

مقدمة ـ دراسة الظواهر بالتحليل والمقارنة والمساءلة "الساذجة"
في دراسة نال عليها جائزة نوبل للعلوم عام 2001, حل العالم البريطاني تيم هينت (Tim Hunt) بجامعة كامبردج معضلة نظرية راوحت طويلا في سر من أسرار البيولوجيا والحياة ـ هي انقسام الخلية. ولعقود طويلة فقد أدرك العلماء "نظريا" ضرورة وجود "مسبب" لهذه الآلية الطبيعية الأزلية منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة, والتي لم تتوقف مطلقا في دوران مذهل وهائل وراقبوا الخلايا تنقسم انقساما مباشرا تحت المجهر بما يفسر سرا من أسرار الخلق حيث تتكاثر الخلايا قليلة العدد إلى مئة بليون خلية والتي تشكل جسم طفل صغير, عدا عن ملايين الملايين من المخلوقات الحيوانية والنباتية التي يزخر بها الكون. الباحث العالم هينت تميز منذ صغره بمساءلة أبسط الظواهر التي يراها الناس عادية جدا ومن المسلّمات, مثل سؤال:" لماذا السماء لونها أزرق؟". وسواها من الأسئلة التي قد يتحرج من طرحها العامة من الناس رغم عدم معرفتهم للجواب. ومن الأسئلة "السخيفة" الأخرى التي طرحها هذا العالم مثلا:"لماذا يخترق الضوء الزجاج ولا يخترق الجدار؟". وطبقا لمقولة العلماء, فطرح مجموعات من الأسئلة السخيفة ستقود بالضرورة لإيجاد "عالم" متميز. فالعلم والبحث العلمي يبدأ من مساءلة وتحليل ودراسة الظواهر البدائية والتي لا تجلب انتباه العامة. وجواب السؤال الأخير له متعلقات بطبيعة ترابط الجزيئات في حالتي الجدار والزجاج, حيث إن الأخير هو عبارة عن "سائل متجمد" والسوائل تركيبة ذراتها أو (configuration) لا تمنع فوتونات الضوء رغم أن بعضها يحرفها أو يعكسها كما يفعل الزئبق لكثافته.
وانطلاقا من هذه المنهجية, فقد شرع العالم هينت في محاولة فهم "الآلية" التي تنقسم بها الخلية وسبب هذا الإنقسام أصلا وما هو العامل الذي "يدفع" الخلية للانقسام. فالعلم والمنطق يقضي بوجود "إنزيم" ما أو بروتين أو مادة معينة ضمن الخلية تحفّز هذا الإنقسام اللامتناهي للخلية وبشكل مذهل بما راقبه العلماء طويلا تحت عدسة المجهر الإلكتروني ولم يجدوا له تفسيرا! وفي سلسلة من التجارب المضنية وعلى فترة زمنية طويلة امتدت منذ الثمانينيات, بأخذ عينات من البيض قبل وبعد الإخصاب, قام العالم تيم هينت في مختبره باكتشاف ثلاثة أنواع من البروتينات (أ, ب, ج) وتسجيلها على مقياس الطيف وأخذ صور ثابتة (snapshots) للعينات المختلفة في مراحل مختلفة ودراستها ومقارنتها. وبدأ يلاحظ تناوب ظهور هذه الأنواع الثلاثة من البروتينات خلال مراحل انقسام الخلايا في البيضة, لكن تلك المقارنة لهذه الصور الثابتة (snapshots) لم تكن كافية لفهم الظاهرة فهما "متصلا" وكاملا. وباستعارة آلية تصوير للطيف من عالم أميركي بحيث يمكن تسجيل آلية الإنقسام لفترة زمنية أطول لا كصور ثابتة (snapshots) بل بآلية تشبه الفيلم القصير, بدأ العالم تيم هينت بالحصول على نتائج بيانية تمكّنه من تتبع ظهور واختفاء البروتينات الثلاثة خلال عملية الإنقسام الطبيعي. ونظريا كان العلماء قد أطلقوا على البروتين المسؤول عن تحفيز عملية الإنقسام إسم (cyclin) نظرا لأنه يقع ضمن حلقة متصلة من الإنقسام البيولوجي. وبمراقبة وتحليل ومقارنة الأطياف المختلفة بدأ العالم يكوّن فكرة أولية عما يجري حين انقسام الخلية حيث بات البروتين الثالث "يختفي" من القراءات التي تسجلها أفلام الطيف. وكما يروي العالم في برنامج وثائقي مثير تابعه كاتب هذه السطور على القناة البريطانية الثالثة (BBC3) بتاريخ 21 نيسان 2010 بعنوان (Beautiful Minds) الساعة التاسعة مساء, فقد سجل أفكاره الأولية في ورقة أرسلها لمجلة مختصة للنشر, لكن رد الناشر جاءه كالتالي:" الأخبار الجيدة هي أننا سننشر ورقتك, لكن الأخبار السيئة هي أن أفكارك لا تلقى رواجا في الأوساط العلمية حيث أرسل إلينا أحد المحكّمين رده كالتالي (this is a wild speculation based on faulty logic)!" أو (هذا تخمين بعيد في الشطط ومبني على منطق مغلوط!" ـ وهذه الجملة تعكس المراحل التي يمر بها الإكتشاف العلمي والإثبات النظري للأفكار الجديدة بما يلاقي الكثير من العنت والرفض من قبل السطحيين من الباحثين ممن يراوح طويلا عند التقليدية والسائد من الأفكار, وبما يعكس الجمود وعدم تقبل الجديد بسهولة, فضلا عن أن عملية التحكيم هي عملية نسبية ومعيارية وليست مطلقة بتاتا, فما يقبله عالم في نفس المجال قد يرفضه آخر بما يرمي عملية التحكيم برمتها في هامش ضئيل من التوافق الفكري.
مناسبة هذه الإنعطافة نسوقها في معرض التقديم لأطروحة نظرية نستكملها في عرضنا لتفنيد وتحليل الدراسات التقليدية التي راوحت في إطار المدينة الإسلامية وفقه العمران, حيث سادت مجموعة من الأفكار النظرية لعقدين من الزمن على أيدي فئة من الباحثين الذين "تعصبوا" لكتاباتهم اليتيمة بما بات نقدها يشكل تهديدا لأفكارهم التي شرعوا ينشؤون عليها جيلا كاملا من الطلبة بطريقة التلقين لا المناقشة والإقناع. وفي هذه المساحات فلسنا بمعرض هدم هذه النظريات برمتها لكننا نسعى لتقديم أطروحات بديلة وما نرى ونزعم أنه من الأسس التي كان يجب على هذه الدراسات أن تبحث فيه بعمق ابتداء قبل أن تنتهي إلى ما انتهت إليه. فهناك مجموعات أساسية من الأفكار التي تم المرور عليها مرور الكرام والتي تستحق مجموعات من "الأسئلة الساذجة" ـ بالمنظور البحثي العلمي الغربي. ولذلك فسنعنى بتخصيص مساحة لمواصلة الكلام عن المدينة الإسلامية وتقديم مقاربة أساسية "لمنظومة محورية لفهم آلية نشأة المدينة العربية التقليدية ضمن الحضارة الإسلامية" بتقديم فكرة "نظرية" فلسفية لما يعرف "بالمدينة الأساسية" أو (fundamental city), وفي مساحة تالية سنتطرق لتعريف أساسي لم توجّه شطره أيا من الدراسات التقليدية السائدة, فضلا عن مناقشته بعمق وهي إلزامية وأساسية لفهم الناتج العمراني الموروث, وتتعلق بفكرة التمييز الأساسي بين العمارة أو (architecture) وبين البناء أو (building) لما لذلك من أهمية ملحّة لفهم "حلقة مفقودة" ومسكوت عنها لفهم نشأة ونمو المدينة العربية الإسلامية.
كلمة السر ـ "الآليات الحركية" ـ في الدراسات الكلاسيكية في المدينة الإسلامية!
لمحاولة فهم الظاهرة العمرانية فيما يسمى بالمدينة الإسلامية, لم تقدم أو تحاول إحدى الدراسات القائمة تقديم أية فكرة نظرية أو فلسفية لنظرية قيام المدينة العربية الإسلامية بشكلها المجرد أولا وضمن إطارها الثقافي الحضاري ثانيا. والخلل الثالث في هذه الدراسات جميعها, بما تناهى لنا من أشهر الدراسات السائدة على الأقل, هي أنها أهملت منهجية علمية رصينة ومتبعة تقوم على تحليل الظاهرة "بالمقارنة" والإستقراء والإستنباط. وبدلا من ذلك فقد "اختبأت" جميعها خلف فكرة تقوم على محاولة تقديم قراءات "للآليات" التي كانت وراء الإفراز العمراني الناتج ـ وأضفت على هذا المنتج "الجامد" طابع "الحركية" من زعم مضلل بأن العوامل التاريخية التي صاغتها كانت وما تزال صالحة لكل مكان وزمان انطلاقا من هذه "الآليات الحركية"! رغم حقيقة أنها عوامل تاريخية خاصة بظرف ومكان وزمان ولها خصوصية ثقافية وأطر محدودة. وغدت كلمة "آليات" بمثابة كلمة السر ومفتاح العقول النيرة والتي أشهرها هؤلاء الباحثين في وجوه الآخرين من طلبة وباحثين. ويحضرني أحد "عتاولة" المنظّرين في المدينة الإسلامية حين حادثني هاتفيا من أمريكا قبل عامين وتطرقنا للموضوع لماما, فعاب على كتاب بحث في المدينة الإسلامية, لأحد الباحثين الأفاضل من شمال إفريقيا, ووصفه بأنه "سطحي" لأنه لم يبحث في "الآليات" التي أفرزت المدينة الإسلامية. وهكذا باتت كلمة "آليات" هي مفتاح المفاتيح وسر الأسرار الدفينة في فهم المدينة الإسلامية. فمن حاججك منهم في فكرة بالمدينة الإسلامية, تراه يصرخ بوجهك "آليات" و"حركية", وبات الجميع ـ من فهم ومن لم يفهم ـ يختبئ خلف كلمة سحرية اسمها "الآليات" و"الحركية" التي أفرزت الناتج العمراني ـ لمحاولة الإفلات من "جمود" النصوص التاريخية ومحاولات بائسة لمد مدلولات النصوص, والوقائع, والنوازل التاريخية خارج إطارها المكاني والزمني. ومن الطريف والمذهل أن هذه الكلمة السحرية باتت أيضا بمثابة السلاح الذين يهاجم به هؤلاء الباحثين, العرب "المستغربين", دراسات المستشرقين ووصفهم للمدن العربية التي شاهدوها أثناء ترحالهم. ففي ورقة "مذهلة" بطولها تصل لأكثر من سبعين صفحة يطالعنا باحث بنقد للمستشرقين بأنهم لم يفهموا المدينة الإسلامية وأن وصفهم لها (بأنها "متاهات" وشوارع متعرجة هو مغلوط وسطحي لأنهم لم يفهموا "الآليات" التي أفرزت هذا الناتج!) والطريف في هذا المنطق الساذج ـ والذي قرأه ربما عشرات الطلبة والباحثين ـ ولم يلتفت أحدهم للسطحية التي يفضحها, هو أن فهم المستشرقين أو "عدم فهمهم" لهذه "الآليات" لن يغير مطلقا من "حقيقة" أن الشوارع هي متعرجة فعلا! فالمستشرقون وصفوا ما شاهدوه, ولن يغير مطلقا فهم "الآليات" أو عدم فهمها من شكل الشارع أو بنية البيئة التقليدية في المدن العربية والتي تحاكي "المتاهات" المتعرجة فعلا ـ وهي "خصوصية" للمدينة العربية وليست "عيبا" فيها بالضرورة. وهكذا غدت كلمة "آليات" هي كلمة السر وسلاحا مشرعا بوجه كل من وقف ليناقش أية فكرة متعلقة بهذه الدراسات التقليدية "اللاتاريخية" التي تقوقعت عند جزئيات المدينة, فيما كان ينبغي أن تنصرف لدراسة أسس أولية في المفاهيم "غائبة" ومقارنة تحليلية ـ نتطرق لها في هذه السلسلة بإذن الله. فمن أبرز خصائص المقارنة التحليلية ـ وهي من منهجيات البحث العلمي الغربي ـ وكانت وراء معظم إن لم يكن جميع الفتوح العلمية التي غيرت وجه العالم, أنها تكشف ببساطة وجلاء الفروقات وأوجه التشابه بين النماذج المختلفة. وبشيء من العقل والمنطق والصبر والمثابرة يمكن تفسير الظاهرة بعمق ومنطق وفضح التناقضات والإجابة ببرهان عن الأسئلة الإبتدائية "الساذجة" التي قد تبرز ـ وهي منهجية اتبعها كاتب هذه السطور منذ أكثر من عقد كامل في أبحاث لتفسير ظواهر عمرانية حضرية, ومعمارية, ضمن سؤال التراث والحداثة وعلاقة العمارة العربية المعاصرة, كمنهجية, بالموروث من التراث كفلسفة نظرية وأساسا اعتمدت عليه طروحات حديثة ومعاصرة. أما هذه الدراسات التقليدية "أحادية النظرة" فشرعت في تقديم الأفكار بكرم وسخاء اعتمادا على "نبش" بطون الكتب الصفراء "ونسخ" نصوص الأقدمين وكأنها نصوص مقدسة, تاركة مساحة هائلة من التقدم العلمي والتاريخي والزماني واختلاف المكان لهامش البحث العلمي العربي. وشرعت تقدم مجموعات من المقارنات العاجلة السطحية بمدن "الآخر" القائمة على مبدأ أن "البيئة الغربية هي غاية وليست وسيلة" وأن الشريعة جعلت البيئة وسيلة, وسوى ذلك من ترهات سطحية وساذجة. وبتنا نضرب أخماسا بأسداس لسفاهة المنطق المضلل لأجيال من طلبتنا وباحثينا. ولذلك فسنجتهد في مساحات قادمة للبحث في الأساسيات الغائبة لتقديم أفكار "بديلة" تطرح طرقا جديدة للتفكير لطلبتنا ممن يريد البحث في الفكرة والفكرة المقابلة والتحليل والمقارنة لا المضي في اتجاه واحد وأحادي كتيار فكري "قطيعي". وطبعا من شاء المضي في هذا الفكر "الأحادي السائد", ويأبى أن يفتح عقله للفكرة الأخرى فإننا " لا نستطيع إلا أن نجلب الحصان لحوض الماء, ولا يمكننا مطلقا إرغامه على الشرب"! ومن شاء أن يقابل الفكرة التي نطرحها من خلال "الإختباء الصبياني" خلف كتابات أكل عليها الدهر وشرب فلا يعنينا طرح أفكارنا له, ولا يهمنا هؤلاء المنغلقة عقولهم عن مجرد استعمالها للتفكير والتحليل, فهنيئا لهم هذا الفكر الدوغمائي المتعصب الذي يرفض الطرح الآخر ابتداء.
فكرة المدينة الأساسية أو (The Fundamental City)
ومن المهم هنا ملاحظة تعريف كلمة المدينة "الأساسية" أو (Fundamental), كيلا ينصرف الذهن بسوء فهم للمدينة "المثالية" (Ideal) أو الفاضلة (Utopian) مثلا. فطرحنا هنا يعنى بمحاولة الرجوع للخلف وتتبع نشوء المدينة, أي مدينة, بشكل نظري فلسفي مجرد, وضمن "طبقات" متعددة من النشوء تراوح بين التشكل الفيزيائي الحسي المجرد الذي يتأثر بالعوامل الطبيعية, وطبقات أخرى, ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية ـ نعالجها كمنظومة متكاملة لا كشرائح منفصلة, وهو مزلق وقعت به الدراسات التي بين أيدي طلبتنا وباحثينا في المعاهد العربية والشائعة منذ عقود.
ومن أبرز من نظّر لهذا المفهوم وبحث في الظاهرة الحضرية بمنهجية تعتمد مقارنة النماذج وقراءة وتحليل الفروقات وأوجه التشابه هو البروفيسور (Bill Hillier), أستاذ مورفولوجية النموذج الحضري بجامعة لندن وكلية بارتلت للعمارة, وقد قدم مجموعة من المفاهيم الفلسفية النظرية في كتابه المرجعي (Space is the Machine) في فصول متعددة منه اعتمادا على قراءته للعديد من المدن ضمن ثقافات متعددة. ومنهجية العالم (هيلير) مشتقة من فهم عميق لفلسفة النموذج الحضري وقراءة مقارنة بين النماذج اعتمادا على تحويلها إلى "عينات مختبرية" تحيلها إلى ما يشبه "جدول الطيف" لإبراز المتناقضات ومحاولة تأطيرها بأطر نظرية بطرح أسئلة تتدرج من السهل نزوعا نحو التعقيد واستخلاص النتائج. وكأستاذ مشرف لكاتب هذه السطور, فقد تمحورت أطروحة الدكتوراة في دراسة مقارنة لأعمال حسن فتحي وراسم بدران ومقارنتها "بعينات" تراثية وتتبع الفروقات والتشابه ضمن سلسلة أسئلة منهجية قدمت الدراسة مجموعة من النتائج لها مساحات قادمة لا تعنينا هنا بقدر ما تعنينا هذه المنهجية "المختبرية" التي تشيع في معاهد الغرب الحديثة ـ والتي عكستها منهجية تيم هينت في فهم دور بروتين (Cyclin) في انقسام الخلية الأزلي الأبدي كما قدمنا آنفا. وللموضوع بقية حيث نطرح في مساحة قادمة المدينة "الأساسية" بفكرتها النظرية المجردة لمحاولة فتح الباب أمام توجهات أخرى لدراسة وفهم المدينة العربية "الإسلامية" بنظرة شمولية مفتوحة على "الآخر", والفكر النظري, لا منكفئة على ذاتها كما قدمتها هذه الدراسات الكلاسيكية "العتيقة"!

د. وليد أحمد السيد*
دكتوراة في فلسفة العمارة من (UCL) ـ جامعة لندن*
مؤسس مجموعة لونارد ودار معمار بلندن


أعلى


 

تـراثـيـات


سموط الجمان وتقريظ شعراء عمان

الأبيات التالية جزء من قصيدة "شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان" للشيخ الراحل محمد بن راشد الخصيبي يسجّل فيها ذكريات وأعلام عمان ومستوياتهم يقول فيها :

أتحف السامعين من ذكرياتي واسقهم من رحيق مبتكراتي
خلهم يرتعون في كل روض من رياض البيان والنغمات
خلهم يسمعون أسماء من قد قرضوا الشعر يا أخا البركات
من هم من عمان قد أنشؤوه في مواضيع جئن مختلفات
أبدعوا في نسيجه وأجادوا وترقوا به إلى الذروات
وهمُ إذ نعدهم فكثير حصرهم ليس ممكناً بالبتات
إنما نذكر الذين تناهى علمنا عنهم بذي الصفحات
من له شهرة ومن أنبأ التاريخ عنه في الأعصر الخاليات
وجدير بالذكر من قد عهدنا منهم والألى بقيد الحياة
فتهيّأ لذكرهم مستعداً وافتح الباب واتهم طبقات

وقد قام الكثير من الشعراء آنذاك بتقريظ هذه القصيدة ونذكر هنا تقريظ أبي سرور يستدعي قيم شعب عمان، بأدبائه الذين يكونون مفخرته ببيانهم وتاريخهم ومن تقريظه هذه الأبيات :

ولكل شعب في العلا أدباؤهبهم يتيه على الزمان فخورا
لله در عمان كم قد أشرقت
أدباؤها بسما البيان بدورا
***
نظّمت تاريخاً تناثر عقده
زمناً وكان الجمع فيه عسيرا
***
وجلوت للتاريخ أنصع آية
عن دركها أضحى الزمان حسيرا
فشقائق النعمان في أشعارنا
ملأ الجوانح بهجة وحبورا

إلى جانب البيان تستدعي البلاغة والفصاحة ما جاء في تقريظ الشيخ الراحل أحمد بن عبد الله الحارثي ومنها :

سموط جمان أم قلائد عقيان
وأسلاك در أم شقائق نعمان
عقود من الإبريز في نحر غادة
وأقراط در شنفت غرّ آذان
***
فكم شاعرٍ قد جاء في السمط بارزاً
تصافح كفاه البيان بتبيان
وكم من فصيح في رقائق شعره
البديع سما فخراً على شعر حسان
وكم جاء في سمط البلاغة شاعر
عفا رسمه أو لم يبن اسمه الفاني

اما الشيخ الراحل هاشم بن عيسى الطائي فمن تقريظه :

كم شاعرٍ لم ندرِ من قبل اسمه
أخرجته من حيِّز الكتمان
كم عالم خفيت مآثر علمه
أضحت لنا تتلى بكل لسان


ــــــــــــــــــ


مدح عامرا وهجا علقمة

كان قوم يقدمون الأعشى على سائر الشعراء ويحتجون بكثرة تصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر وليس ذلك لغيره فيما يزعمون، ويقال إنه أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد، وكان يغني في شعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، ومن أخباره أنه أتى الأسود العنسي وقد امتدحه فاستبطأ جائزته، فقال الأسود: ليس عندنا عين، ولكن نعطيك عرضا، فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا ومثلها حللا وعنبرا، فلما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه، فأتى علقمة بن علاثة فقال: أجرني، فقال قد أجرتك، قال: من الجن والإنس، قال: نعم، قال: ومن الموت، قال: لا.
فأتى عامر بن الطفيل، فقال: أجرني، قال: قد أجرتك، قال: من الجن والإنس، قال: نعم، قال: ومن الموت، قال: نعم، قال: وكيف تجيرني من الموت؟ قال إن مت وأنت في جواري بعثت إلى أهلك الدية، فقال: الآن علمت أنك أجرتني من الموت، فمدح عامرا وهجا علقمة، فقال علقمة: لو علمت الذي أراد لكنت أعطيته إياه.

ــــــــــــــــــ


ابن الأعرابي

أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، كان مولى لبني هاشم، وكان من أكابر أئمة اللغة المشار إليهم في معرفتها، ويقال: لم يمكن للكوفيين أشبه برواية البصريين من ابن الأعرابي. وكان عالماً ثقة، وكان ربيباً للمفضل الضبي، وسمع منه الدواوين وصححها، وأخذ عن الكسائي كتاب "النوادر" وأخذ عن أبي معاوية الضرير. وأخذ عنه أبو العباس أحمد بن أحمد بن يحيى ثعلب، وأبو عكرمة الضبي، وإبراهيم الحربي.. قال عنه ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي.وقال ابن الأنباري: توفي ابن الأعرابي في خلافة الواثق بن المعتصم. ويقال: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين؛ وبلغ من السن ـ على ما يقال ـ ثمانين سنة.

ــــــــــــــــــ


ما بعته بالرغائب

كان في مجلس المروروذي الفقيه شابٌ أريب من المتفقّهة، وحدث أن غاب عن المجلس أياما فلما سأل عنه المروروذي أخبروه أنه مشغول بأمرٍ قطعه عن حضور مجلسه، فأحضره وسأله عن حاله، فذكر الشاب أنه كان قد اشترى جارية لنفسه، وأن النفقة قد انقطعت به وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع الرزق عنه من بلده، وكان عليه دين لجماعة من التجار، فلم يجد سبيلا إلى قضائه غير أن يبيع الجارية. فلما باعها وتركت داره، تشوّق إليها واستوحش من بُعدها عنه، حتى لم يعد بمقدوره أن يشتغل بفقه أو بغيره من شدة تعلق قلبه بها، ثم ذكر أن ابن أبي حامد صاحب بيت المال هو الذي اشترى الجارية، فمضى المروروذي إلى ابن أبي حامد ومعه الشاب، فحين استأذن عليه أذن له في الحال وقام إلى المروروذي واستقبله وأكرمه غاية الإكرام، فلما سأله عن حاله وعما جاء له، أخبره المروروذي بخبر الشاب الفقيه وبيعه للجارية، وسأله أن يقبل الذي دفعه فيها ويرد الجارية على صاحبها، بيد أن ابن أبي حامد لم يكن عنده علم بأمر الجارية، فقد كانت امرأته اشترتها ولم تخبره بذلك، فاستأذن ضيفيه وقام فدخل على امرأته يسألها عن جارية اشتُريت في سوق النخاسين، وصادف أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة وهم يصلحون وجهها وقد ألبسوها الثياب الحسان والحلي، فقالت: ياسيدي هذه هي الجارية التي تسأل عنها، فسرّ بذلك أعظم السرور لرغبته في قضاء حاجة المروروذي، وعاد إليه فقال: خفت ألا تكون الجارية في داري، وهي بحمد الله عندنا والأمر للشيخ أعزه الله فيها، ثم أمر بإحضار الجارية، فلما جاءت تغير وجه الفتى تغيرا شديدا من فرط حبه لها، فقال له ابن أبي حامد: هذه جاريتك؟‏ قال: نعم، قال: فخذها بارك الله لك فيها، فدعا له المروروذي وشكره، وأخرج ثلاثة آلاف درهم، وهو الثمن الذي بيعت به الجارية، وسأله قبض المال فأبى ابن أبي حامد أن يأخذه، قال المروروذي: إنما جئناك نسألك ردّها ولم نقصد أخذها على هذا الوجه، فقال ابن أبي حامد: هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل فقره وحاجته، ومتى استردّها وهو على فقره خيف عليه أن يبيعها ثانية إلى من لا يرضى أن يردّها عليه وقد وهبتُ للجارية ما عليها من الحلي والثياب، فإن احتاج إلى نفقة باع منها، فلما نهض المروروذي والفتى ليودعاه، قال ابن أبي حامد: أريد أن أسألها قبل انصرافها معكما عن شيء ... يا جارية، أيّما أحبّ إليك: نحن أو مولاك هذا؟‏ ‏ فقالت الجارية: يا سيدي، أما أنتم فإني أدعو الله أن يحسن جزاءكم على ما فعلتموه بي ووهبتموني إياه، وأما مولاي هذا فوالله لو أعطيتموني به الدنيا ما سلوت عنه ولو كان في ملكي وأنا فقيرة لا أجد عندي ما أقتات به، ما بعته بالرغائب العظيمة مثلما باعني.


ــــــــــــــــــ

يا غزالا لي إليه

اختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، وكانت واحدة زمانها في الحسن والأدب طلبت منها بخمسمائة ألف درهم، فهويها إبراهيم، وكره أن يراودها عن نفسها، فغنى يوماً وهي قائمة على رأسه:

يا غزالا لي إليه
شافع من مقلتيه
أنا ضيف وجزاء ال
ضيف إحسان إليه
ففهمت الجارية ما أراد، فحكت ذلك لمولاتها فقالت: اذهبي إليه، فأعلميه أني وهبتك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد البيتين، فأكبت عليه، فقال لها: كفى، فلست بخائن، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.

ــــــــــــــــــ


بَيْنَ رَثٍّ وناصِلِ

ابن ميادة

يُمَنُّونَنِي منكِ اللِّقاءَ وإِنَّنِي
لأَعْلَمُ ما أَلْقاكِ مِن دُونِ قابِلِ
ولَمْ يَبْقَ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَها
مِن الوُدِّ إلاّ مُخْفَياتُ الرَّسائِلِ
فما أَنْسَ مِلْ أَشْياءِ لا أَنْسَ قَوْلَها
وأَدْمُعُها يُذْرِينَ حَشْوَ المَكاحِلِ
تَمَتَّعْ بِذا اليومِ القَصِيرِ فإنَّهُ
رَهِينٌ بأَيّامِ الشُّهُورِ الأطاوِلِ
وعَطَّلْتُ قَوْسَ اللَّهْوِ مِن شَرَعاتِها
وعادَتْ سِهامِي بَيْنَ رَثٍّ وناصِلِ

ــــــــــــــــــ

لو لم ينفعهم

روى أبو محمد الأزدي، قال: بلغني أن ابن الزيات لما حصل في التنور قال له بعض خدمه: لهذا وشبهه كنا نشير عليك بفعل الإحسان، وتقليد رقاب الرجال بالامتنان، واتخاذ الصنائع في حال القدرة لتجازي بها الآن عند الحاجة.
فقال: لو كنت فعلت هذا، ما حصلت منه على طائل، لما في نفوس الناس من ضعف الإخاء، وكثرة الغدر، وقلة الوفاء، وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال البرامكة؟ ما نفعهم لما حصلوا في مثل حالي من إسلام الزمان وجور الحاكم؟ فقال له الخادم: لو لم ينفعهم إلا ذكرك لهم في مثل هذه الحال التي أنت فيها لكان ذلك أكبر نفع.

ــــــــــــــــــ

على فراش الموت

قال عبد الرحمن بن عوف: دخلت يوماً على أبي بكر الصديق رحمة الله عليه في علته التي مات فيها، فقلت له: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله، فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت، إنما هو والله الفجر، أو البحر. فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله، فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحاً مصلحاً، لا تأس على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيراً.


أعلى


 


الأدب الشعبي

بوح ..
للنشر سياسة من الود

تهتم الكثير من المطبوعات في صفحاتها لأخذ آراء متنوعة وأفكار مختلفة تجاه القضايا المتاحة بمختلف أشكالها السياسية والرياضية والإجتماعية والأدبية، ومن البدهي جدا ان تحتمل هذه الصفحات هذه الاختلافات في الطرح والأفكار مع التزامها بما يفرضه السياسات المتاحة قانونا ومنطقا، ولا يعني بذلك تبني إحدى وجهات النظر تلك بقدر ما هي مساحة للقارئ لانتقاء ما يتناسب والمستوى الفكري الذي يراه الأقرب له على المستوى العقلي والمستوى العمري أيضا، إضافة إلى تقديم التنوع في المواد المطروحة.
يرى بعض القراء المتابعين ان الأفكار قد تعبر بشكل أو بآخر عن رأي عام، أو رأي يعبّر عن المطبوعة، وبالتالي يضع في مخيلته أن كل ما هو معاكس لتلك الآراء يستحيل نشره، وقد يلجأ بعض هؤلاء الكتّاب من "المتابعين" إلى الترويج لأفكار مغلوطة حول سياسة النشر في الكثير من الصفحات التخصصية منها والعامة بهدف تزكية وجهة نظره واحتضان أشخاص بسطاء فكريا مما قد يرى بأنه تعزيز لموقفه ورأيه.
ان الاعتماد على تشويه المصادر في مثل هذه الحالات لا يخدم بشكل أو بآخر الرقي بالأطروحات (الثقافية خصوصا) ولا يقدم صورة بها بصيص من الجمال لعقلية المثقف (الشاعر) من خلال ردة فعله، وهذه في الواقع تؤكد الاهتمام بالرأي الأحادي المتفرد الذي يعتقد صاحبه بأنه الأصح في مقابل مخالفة كل ما لا يتناسب مع طرحه أيا كان عدد اولئك الأشخاص وعقلياتهم وافكارهم، وأستغرب في الحقيقة من الضعف الذي يسود آراء الكثيرين حول مثل تلك التصرفات التي تتضح بصورتها العاقلة بأهدافها الشخصية ولا تسمو بالأهداف العامة للساحة الشعرية خصوصا والأدبية عموما.
كنا وما زلنا (عبر صفحة الأدب الشعبي في ملحق "أشرعة"، وعبر ملحق "المجلس" المختص بالشعر الشعبي الذي يصدر الاحد الأول من كل شهر) نترك مساحات واسعة للتحليق في فضاء الكتابة بما يتيح للقارئ والمتابع الاستفادة بأي شكل من الأشكال من الكاتب الشاعر فيما يخص تجربته الشخصية في الشعر أو الساحة، وبما يعزز مكانة الشاعر القارئ في الرقي بقصيدته وتجربته، وبما أن الأهداف النبيلة والرقي بالذائقة لتطوير التجربة هي أحد أهم الأهداف التي ترتجيها هذه المساحات فمن البديهي جدا عدم نشر كل ما يسيء للساحة بعمومها او المساس بذوات الأشخاص من قريب او بعيد، او تبجيلهم بصورة لا يرضاها حتى أنفسهم، وبالتالي فإن عدم نشر أي شكل أدبي لا يحقق الهدف لا يعني بتاتا رفضه لأهداف شخصية ولا يجدر من الكاتب العاقل الفطن الترويج لهذا الرفض بهذه الصورة السلبية التي ربما تحاول زعزعة ولو نسبة بسيطة بين علاقة الشعراء بنظرائهم ومؤسساتهم وإعلامهم .
من هذا المنطلق يجب علينا التركيز في احكامنا على سياسات النشر التي يكفل حريتها القانون بمجمل بنوده وزواياه، وهذا الأخير من المؤكد ايضا لا يسعى إلى التنكيل بالآخرين او تبجيلهم بحد يتجاوز المعقول، فردة الفعل على طرح الكثير من تلك الموضوعات قد توقع الكاتب والمطبوعة في حرج كان حريا على الأطراف المعنية عدم الدخول في متاهاته، وقد لا يعلم بعض الذين يحاولون الكتابة بأي شكل من أشكال الكتابة التحريرية ردود الفعل تلك، وهذا ما يزرع افتراض سوء النوايا وشخصنة الآراء في عقليات مريضة لا تتنافس الا على وضع أسمها في خارطة الكتابة دون الالتفات إلى عناصر الكتابة اساسا او الالتفات إلى ما يخدم الساحة عموما.

ومضة..
يا سيـده قولي كـذا والاّ كذا .. او نفتـرق
بس المهم لما تقولي اي شيٍ افعلـي
وانا بقول ان الضميـر اللي معي .. ضاع .. انسـرق
ولمّن تمريني وهم .. ارجوك لا .. لا تسألـي

فيصل بن سعيد العلوي*


ــــــــــــــــــ


لـَ / (صُور)

مَدينَتي َحّل الظـَـلامْ
النَورُ سَافَر والْمَدَى
سَيــَاطهْ تْجّر الَرَدىَ
َوالطْالع الليّ مَا انْقراَ
لاَ بُدْ مَا يلَقْى اهْتمامْ
َمِديَنتِي َحّل الظَلام ..
تَلفاَزناَ مَا هَمّنا .. َبسْ هَمّنا تَلفاَزناَ
َاخْبَارناَ مَا تْهَمّناَ ..
تَهّمنَـا اخْبَارَناَ .. وَالشَارَعْ الليّ مَا وَقفْ
َلحْظَة َيشُـــوفْ آثَارنَا َ.. الاّ وَضاَيقْهْ الزحَامْ
َمدِينَتِي َحلّ الظَلامْ ..
مَدِينَتي نَاِمي بْسَلامْ .. مَا َبهْ احدْ َطالعْ ..َمَا بهْ اَحدْ جَايعْ ..
والمْذَنب الطَايعْ ..دعَى لَكْ بْصَوت الاِمَامْ .. َدعى لَكْ بْصَوتهْ َوقَامْ
َمِديَنِتي َحلّ الظَلامْ
َشاَبتْ مَآقيِ حْرُوَفَناَ ..
َترْجع تَراجعَ مَا جَرى
منْ نِيفْ اوْ اكْثر وَرَاءْ
َكنّا نْتنوْمَسْ بالظْلام ْ.. ظَلام لكنّه يَشوُفْ .. اَحلامْ وَعْيوُب الظرُوفْ ...
َيخْفِي غَبَار ْكتُوَفنا، نسْهَر َمعَهْ، نَطْلَع مَعَهْ ..َ َيعْرَف عَنَـــاد ظرُوَفناَ ...
ياَ ارضْنَا كَنْتِ ظَلامْ
َكنْتِ ظَلامٍِ واشْترَىَ ..
َقلوُب وَعْيوُن وْسَرَى
للّنورْ وَاخْرَجْ مَنْ َيَديهْ
َسُوَرةْ رَضَاءَ بِماَ كَتبْ :: رَبّ السمَاوات وْوَهب
والْيومْ قبْل يِحلّنا َ.. َتعاظَمتنا مَسْألهْ
َاكبْر مَن الذْنب وْخَطاهْ :: المَسْألهْ نَسْيانَنَا .. َمنْهُو يَطّمن خَوفَنَا ..
شَابَتْ مَآقي ْحُروفَنَا ..
َمدِينًتي .. اوْ َقريْتي ِ..
تجَسّدي هذاَ الظلامَ ..
َهذاَ ابْتلاءَ وْيَطوُفنَاَ ...
ِبسْم الله الخَالقْ عَلَيكْ ...
ِبسْم الله الخَالقْ عَلَيكْ ...
ياَ صُور َلك فَدوة تَرُوحْ
ارْقَابنا وَكْتوُفنَا ...
ياَ ِدَيرِتي .. َيا ِديِرتَي ..
َلوْ مَرّك الليلهْ غَمـَــامْ
َتبسمّــي بَرْد وْسَــلامْ
َتحْرَسْكْ عَينْ تْشوفنَاَ ...
ِبسْم الله الخَالقْ عَلَيكْ ...

خالد الداودي


ــــــــــــــــــ


ظل

للظل يا موت النخل والصحاري
محتاج أشوفك لحظة تترك السور
بين العطا والذاكرة وأنتصاري
شيعت جرحي عن سمآواتك البور
مليت أفتش في جبيني نهاري
وأخترت نبذي لا ملامة ولا جور
طاح الحطب ما طاح ملعون ناري
قلت النوايا صارت بـ/دمي تثور
هذا الجبين اللي كسته الحواري
ثوب السديم وصاحب الثوب مكسور
ذليت شوفي وأنهزم أنتظاري
والليل يسرق ما تبقى من النور
قلت أترك لـ/خوفي عيوني وأداري
ريح السنين وما تقدم من كسور
ليلٍ يشاور ضحكتي وأنكساري
لين السهر يتلثم بـ/راضي الشور
ما كان صبري قطعةٍ من وقاري
لكن سراب الشك ينضح لي بحور
هذا وأنا مفزوع حد أنتحاري
أرضٍ تدور في السما تربة قبور
مثلي يشكل رغبتة او حصاري
أن مات صبره ما لقى فيه مأجور
يا ظل لو خنت النخل والصحاري
محتاج أشوفك مرةٍ تقتل السور


مختار السلامي


ــــــــــــــــــ

قلة الحيلة

تلوميني على العشـق القديـم وقلـة الحيلـه ؟!
على حلو الكلام اللي زرعتـه داخـل آذانـك ؟!
على الحلم اللي داريته سنين ومات فـي ليلـه ؟!
على الشخص اللي خلاني حزين وعاف شطآنك ؟!
أفا !! وانتي عرفتي لـك حقيـرٍ يلعـب بـذيلـه
يمارس دون جوانيـة بغيضـة بيـن أحضانـك
أنا ماني رجل كامل وشاعـر فـاق عـن جيلـه
أنـا شخـصٍ بسيـطٍ للنـخـاع ودق بيبـانـك
لقيت الفقـر ياخذنـي مـن النيلـه إلـى النيلـه
وأنتـي يلزمـك شخـصٍ يلبـي رغبـة جنانـك
أنا أحلم على قـدي : وظيفـة / منـزل وعيلـه
وانتي حلمك ف لنـدن وهـذا الحـظ مـا خانـك
فقيـر ولا تلومينـي / وشكـراً قلـة الحيـلـه
بساطة حلمي أصغر من طمـوحٍ يسكـن أجفانـك

حمد البدواوي

ــــــــــــــــــ

* قصيدة مسافرة ..

نَزْلَة بـرد


و اردّ احتدّ مـع ذاتي ./ أدفّـي ./ شوقي وحداني
أرتب فـي فوانيـس الإنـارة ./ و الحـواري جُـرد
بعض من ليـل ./ والحارة سكون أنفـاس جيراني
وأنا ./ وياي ./ نتسكع مع السيد أرق .... فـ الـبرد
أصفّر ضـيق ./ تنبذنـي الهبوب وتركـل أحزاني
أفك الريق ./ اغني ./ لـ الطريـق وملء يـدّي وَرد
ولا بـه خير ./ شبّـاكك ./ يفـك اهداب يقرانـي
أفتفت ، لـ القطط خبز الشحوب ./ ولا لقيـت الـرد
هِنا والأرصـفة ./ كانت صفـة للوغد سجـاني !
عِلَب ./ و اشيـائي ./ تتدحرج هِنا وهناك اماني شُرد
هِنا فـ الصدر " نَزْلَة بـرد " تجلدني ./ وتغشاني
إلين اهوي إلى الأصغـاء فـ ذنوبي ./ ورمـي النرد
هِنا و ارسم على التربة وطن ./ و اهديه وجداني
و اريق الـدم لـِ ترابـه رسـايل ./ والعمر ذا طـرد
هِنا شاعرك ./ واشيائك ./ وَشِم والصبر عرانـي
حكايا الكرسي ./ والأشجـار ./ "نَاسِك" في يدينه فرد
وعقرب ساعتي يركض وحيدٍ ./ في مدى أجفاني
يطـلّ الصـبح ./ وألقـاني وحيد أطعن جدار الـبرد
بدونك كنت .! قلت أشعل ورق شعري لـِ دفـاني
وادفّي حارتـي ./ تسبيح .. ينعانـي بهذا الـ / سرد
عبدالعزيز المالكي *
* شاعر سعودي


ــــــــــــــــــ

صممت لك

صممت لأجلك داخل القلب بنيان
بنيان راسي كالجبال الرواسي
شامخ وجوده بك على مَر الأمان
بِيدي وضعته موثق بقو ساسي
يبرق بريقٍ من مسافات ينبان
نوعه ذهب ماخالطوبه نحاسي
غطا على كل الزوايا والأركان
ما كنه إلا مفصلٍ بالمقاسي
حتى نعيش لوحدنا دوم جيران
أنا وأنت وراسك انته براسي
ومن زينك فاتنْ أنشيت عمدان
كًَنْها عواميد البحر ب المراسي
لا ضقت آتيها وانا دون جنحان
كَني غريق وماسك بلوح راسي
ومن خدك الوهاج كونت جدران
زاحت سنينٍ محلكات وغلاسي
تاضي بحمره كنها وسط بستان
وردٍ نديٍ ما يجيه اليباسي
وعيونك النعسا بها موج شطآن
يخلس سحرها داخلي اختلاسي
من شكلها وضّفتها لي بفنجان
اشرب قهوته ويتطاير نعاسي
فيك الوصايف مابها أي نقصان
حماك ربي من بغيضٍ وخاسي
وأنا مصمم لك من الود بنيان
بنيان راسي كالجبال الرواسي

فيصل محمد البادي



أعلى


 


وجوه وظلال (30)
أرامل

أرامل بودلير- من "سأم باريس":

يقول فوفنارج إنـه توجد في الحدائقِ العامـة مجازات يرتادها أساساً الطامحون المـحبـطون والمختـرعون سيئو الحظ والأماجـد المجهَضون والقلوب المحطمة وجميع تلك الأرواح الجياشة والمغلقة التي مازالت تنأى بعيداً عن نظرة المرحين والمتبطلين الوقحة. وهذه الأركان الظليلة هي ملتقيات جرحى الحياة.
... العين المجرِّبة لا تخطئ أبداً. ففي السيمياء الجامدة أو الأسيانة، في هذه العيون الغائرة والذابلة، أو اللامعة بآخر ومضات الصراع، في هذه التجاعيد العميقة الكثيرة، في هذه الخطوات شديدة البطء أو شديدة الاهتزاز: سرعان ما ترصـد العينُ الأساطيرَ الوفيرة للحب المغدور، وللإخلاص الذي لم يلق تقديراً وللجهود التي راحت سدى وللجوع والبرد اللذين يجري تحملهما في استكانة وفي صمت.
هل حدث لكم أن لاحظتم أحياناً أرامل جالـسات على تلك الدكات المنزوية. أرامل بائسات؟. من السهل التعرف عليهـن، أكن في ثياب الحداد أم لا. ثم إن في ثـياب حداد الفقير شيئا غائبا. غـيابا للانسجام يجعـلـه أكثر حزناً. إنه مضطـر إلى عـدم الإسراف على ألمه، أما الثـريّ فهـو يرتديه في كمالـه.
من تكون الأرملة الأكثر حزناً والأكثر إثارة للأسى، تلك التي تقود بيدها طفلاً لا يمكنها أن تتقاسم معه هواجسها، أم تلك الوحيدة تماماً؟. لا أدري.
حدث لي ذات مرّة أن تتبعت على مدار ساعات طوال عجوزاً منكوبة من هذا النوع، تلك المتينة المنتصبة، في خمار متواضع رثّ. كانت تحمل في كـل كـيانـها كبرياء ورقة.
من الواضح أنه كان محكوماً عليها، بحكم وحدة مطلقة، بعادات العانس العجوز، وقد أضاف طابع عاداتـها الذكوريّ شوكاً خفياً لصرامتها. لا أدري في أي قهوة بائسة وبأي شكل تناولتْ إفطارها. تتبعتها في قاعة المطالعة، وراقبتها طويلاً وهي تبحث في الصحف، بعينين متوقدتين، حرقتهما الدموع في زمن غابر، عن أنباء باهتمام قوي وشخصي.
أخيراً، بعد الظهر، تحت سماء خريفية فاتنة - واحدة من تلك السموات التي يهبط منها حشد من الندم والذكريات- جلستْ منزوية في حديقة، لكي تستمع، بعيداً عن الزحام، إلى واحدة من تلك الحفلات الموسيقية التي تنعم بها فرقة الموسيقى العسكرية على الشعب الباريسي.
واحدة أخرى...
كانت امرأة عظيمة، جليلة، وجدّ نبيلة في سيمائها، بحيث إني لا أتذكر أنني رأيت شبيهة لها في ألبومات جميلات الأزمنة الماضية الأرستقراطيات. كان عطر فضيلة متشامخة يفوح من كيانـها كلّه. وكان وجهها، الحزين والشاحب، متماشياً تماماً مع ثوب الحداد الجليل الذي ارتدته. هي أيضاً، شأن العوامّ الذين امتزجتْ بـهـم ولم ترهـم، نظرت إلى العالم المتلألئ بالنور، بعين عميقة. وأنصتـتْ وهي تهزّ رأسها بـرقـة...

ت. بشير السباعي- آفاق للنشر والتوزيع ومنشورات الجمل

******

الأرملة المـرضعة، للشاعر العراقي معروف الرصافي:

لقيتها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابُها رثةٌ والرِجْلُ حافية والدمعُ تذرفها في الخدِّ عيناها

بكت من الفقر فاحمرت مدامعها واصفر كالورس من جوع محياها

مات الذي كان يحميها ويسعدها فالدهر من بعده بالفقر أشقاها

الموت أفجعها والفقر أوجعها والهم أنحلها والغم أضناها

فمنظر الحزن مشهود بمنظرها والبؤس مرآه مقرونٌ بمرآها

كرُّ الجديدينِ قد أبلى عباءَتـَها فانشق أسفلها وانشقَّ أعلاها

ومَزّقَ الدهرُ- ويلُ الدهرِ- مئزرَها حتى بدا من شقوق الثوب جنباها

تمشي بأطمارها والبرد يلسعها كأنه عقرب شالت زُباناها

حتى غدا جسمُها بالبردِ مُرتجفاً كالغصن في الريح واصطكت ثناياها

تمشي وتحمل باليسرى وليدَتـَها حَمْلاً على الصدر مدعوماً بيمناها

ما تصنع الأم في تربيب طفلتها إن مسها الضرُّ حتى جف ثدياها

ما بالها وهي طولُ الليلِ باكيةٌ والأمُّ ساهرةٌ تبكي لمبكاها

تبكي لتشكو من داء ألَمَّ بها ولست أفهمُ منها كنه شكواها

كانت مصيبَتـُها بالفقرِ واحدة ً وموتُ والدها باليتم ثناها

هذا الذي في طريقي كنت أسمعه منها فأثر في نفسي وأشجاها

حتى دنوت إليها وهي ماشية ٌ وأدمعي أوسعت في الخد مجراها

وقلت يا أختِ مهلاً إنني رجل أشاركُ الناسُ طراً في بلاياها

سمعتُ يا أختِ شكوىً تهمسين بها في قالةٍ أوجعت قلبي بفحواها

هل تسمح الأخت مِنِّي أن أشاطِرَها ما في يدي الآن؛ استرضي به الله

ثم اجتذبتُ لها من جيبِ مِلْحَفـتي دراهماً كنتُ أستبقي بقاياها

فأرسلتْ نظرةً رعشاءَ راجفةً ترمي السهامَ وقلبي من رماياها

وأجهشتْ ثم قالتْ وهي باكية ٌ واهٍ لمثلكَ من ذي رقة واها

لو عم في الناس إنصافٌ ومرحمة لم تشكُ أرملةٌ ضيقاً بدنياها

أوْلى الأنامِ بِعَطْفِ الناسِ أرملةٌ وأشرفُ الناسِ من في المال واساها

*******

ذكريات، للكاتب الألماني السوري رفيق شامي، من مجموعته (المديح وحبات الزيتون الأخرى):
تزوجـت أرملة من أرمل. في الليلة الأولى تمدّدا بجانب بعضهما. كانت لدى الأرملة رغبة في الرجل، إلا أنه لم يتوقـف عن الحديث عن زوجته المتوفاة. ثم ما لــبـثـت المرأة أن تحدّثت عن زوجـها الـمتـوفـى. وسـرعان ما شـخر الرجل قـربها.
في الليلة الثانية ....استلقت المرأة بجانب زوجها، إلا أنه حين داعـبـتـه، قال لها: "هذا يـذكـرني بزوجتي، رحـمها الله، كانت تـحبّ أن تـداعب شَـعر صدري". أشعل سيجارة، وحكى طويلا عن زوجته المـتــوفـاة. تأمـلت الأرملة، ثم قالت إن زوجها كان دائماً يـدخن سيجارة في اللحظة الحاسمة، وأن فـمه كان يصـبح نـتناً مثل منفضـة السجائر، وأن هذا غالباً ما جعلها تفقد الرغبة. ولكن قبل أن تـنهي جملتها كان الرجل قد بدأ بالشخير قـربـها.
في الليلة الثالثة حمـلت المرأة زجاجة نبيذ إلى غرفة النوم، خلعت ملابـسـها وأشعلت شمعة. صبـتْ كأساً لزوجها. كان لهذا مفعول السحر على زوجها المـتـوفـى.
" كيانـتي؟": سألها بسعادة.
"أجل". أجابته الزوجة يملأها الأمل.
"هذا يـذكرني بـ ( فينيديغ) حيث كنت حينها مع زوجتي المليئة بالحيويـة....

عندها دفعت المرأة الرجل بشدة، حتى وقع عن السرير.
" ماذا حدث لك؟" صرخ بوجـهـها.
أجابت: " لا شيء. هذا السرير يتسع لاثنين فقط، إلا أنه منذ ثلاثة أيام: ينام أربعة أشخاص هـنا. ولا عـجـب في هذهِ الحالة أن يسقـط أحدنا بسهولة على الأرض.

ترجمة ليندا حُسين

******

للكاتب المصري عبدالرحمن محمد، عن أرملة واحة سيوة:

الغولة هي المرأة السيوية التي يـتوفى زوجها، فأهل سيوة يعتقدون أن الأرملة لديها عين قوية حسودة تجلب سوء الحظ لمن تقع عليه! وحين يتوفى زوج هذه الأرملة المسكينة التي قد لا تتجاوز السبعة عشر عاماً يصحبها أهلها مرة أخرى إلى "عين طموس" الذي اغتسلت فيه يوم زواجها لتخلع هناك حليها وثيابها المعتادة وترتدي ثوبا أبيض علامة على الحزن والحداد، ثم تعيش في عزلة تامة أربعين يوما؛ ينبغي خلالها ألا تأكل شيئا من اللحوم ولا يسمح لها في هذه الفترة بالاغتسال أو تغيير ثوبها، ثم تظل سنة بعد وفاة زوجها لا يحق لها أن تتزوج إلا بعد تلك السنة!.

******

من ديوان "أرملة قاطع طريق" لميسون صقر:

أَنا وحدي القطة هنَا
مَاذَا أقول فِي الخيمة
وأَنا بعينين غاويتين؟

أَنا التي تموء قَصيدتُها
عِند أَقدام الشِّعر
أَنا وحدي القطة هنا
التي تلعق جرحها
دون تأَفف
في الوقت الذي تفور القهوة فيه
في الخيمة
أَقعد وَأَكتحل بِالإِثمد
أحدثُ نفسي:
أَن أَكون أَرملَة،
هكذا حينَ أَثقب الورقةَ
بسنّ القلم.
وأنا أَسن المرود في عيني
بالإِثمد، أُحدث نفسي:
سيدخل الخنجرُ قلبَه
سينفجر دمُهُ في وجهي
سأَشربه في صحة الانتقام.
أَفتح عيني المكتحلتين وأَقول:
سأَتعلَم الشرَ
سأَتعلم كيف أَكون أَرملة قاطع طريق.

مختارات: صالح العامري


أعلى


 

سيرة الحجر
الأفعى

قالت كاذية : الأفعى دخلت جحرها منذ عشر سنوات ولم تخرج، دخلت قبل الجائحة بأشهر، شاهدتها بنفسي وهي تزحف مسرعة، جاءت من فوق الجدار، وهبطت إلى الساقية، ثم مشت مع الفلج، كنت هنا عند الموقد منهمكة في الطبخ، لكنها أفزعتني، شعرت بجسمي ينتفخ وشعر رأسي يصير مثل شجرة الحمّيرة، صرخت بكل قوتي، كنت خائفة جدا من هجومها عليّ، لكنها كانت تزحف مسرعة باتجاه الجحر، دخلت هناك منذ عشر سنوات ولم تخرج، لم نسمع لها حسّا ولا وسّا .

قالت سلّومة : الأفعى موجودة، كانت تخرج كل ليلة في الصيف، تخرج من ذلك الجحر الضيق طلبا للهواء، تخرج متسللة حتى لا يحس بها أحد، رأيت بطنها الأبيض المخطط وقد ترهل، رأيته على ضوء القمر، كان الجميع نياما، الأفعى تسلقت الجدار وصعدت إلى سطح البيت، وكأنني أراها الآن وقد التفّت على نفسها ودلّت رأسها ونامت في برودة الهواء الطري، كنت خائفة جدا، لكنني لم أخبر أحدا، لم أشأ أن أقلق الجميع، لكنني شعرت بالأمان بعد أيام، شعرت وكأنها أحد سكان هذا البيت، هي بالتأكيد تعرف كل واحد فيه، لذلك تعودت على تسللها الليلي للسطح، ولم تعد تخيفني، بل تمنيت لو أمسد على جلدها الأملس الجميل وأن أحملها بين كفّي وأجعل منها رفيقة رقدتي .

قال سليمان : لا وجود للأفعى بتاتا، لا تصدقوا كلام النساء، أنهن يثرثرن عن كوابيسهن الليلية وكأن ما رأينه حقيقة، يخلطن الأحلام بالواقع، إنهن متوجسات دائما، لا بد أن يصنعن لك حكاية ويدسسن لك الخوف فيها، النساء أفاعٍ، ألا ترون إلى ألسنتهن تخرج بالشتائم وبالكلام عن البشر، حتى الأفاعي لم تسلم منهن، لم أرَ الأفعى في حياتي أبدا، وهل من الممكن أن تعيش أفعى في هذا الجحر بالذات ؟ لقد غمرته مئات المرات بالماء وأنا أسقي النخيل، ثم أن الجائحة عندما جاءت، غمرت المكان كله لثلاثة أيام، فأي أفعى هذه التي تستطيع أن تعيش كل هذا الوقت ؟

قال الشايب حريمل لنفسه : أجمل شيء في الحياة هو أن تملك سرّا لا تخبر به أحدا حتى نفسك، إياك أن تهجس به فقد يفلت منك على شكل آهة أو حسرة، دعهم يثرثروا عن الأفعى واحمل سرّك في داخلك، من يعرف الأفعى كما تعرفها ؟ من رآك وأنت تنجد رأسها المدبب بعصاك حتى تموت، من يدرك أنك تترصدها كل صيف وهي خارجة من الجحر في ذات الموعد، وفي كل مرة تقتلها، ثم تخرج ثانية، للأفاعي أرواح كثيرة، الأفعى لا تموت، هي مخلوق خالد، فقط تترك لنا جسدها الذي سيتبس في الشمس، أما هي فتعود إلى جحرها وتنام حتى موعدها القادم .

جاءت عويشة من الجبال، ألقت بكومة الحطب الثقيلة قريبا من الموقد، أحضرت التمر ودلة القهوة وبدأت في الأكل والثرثرة، أسندت كاذية ظهرها على الجدار، وكانت سلّومة واقفة عند الجحلة تماما، كانت تهم أن تشرب، صوت غريب يخرج من كومة الحطب، فحيح مكتوم يتسلل إلى مسامعهن، كان الشايب حريمل متمددا على الأرض ومتكئا على يده، صمت الجميع، صرخت عويشة : أفعى، أفعى، رددت كاذية : قيد، قيد، قيد، ... ما زالت تردد كلمتها، الأفعى تخرج ببطء وتتجه صوب الجحر، كاذية تعقد طرف لحافها عدة مرات، تعقد اللحاف وتقرأ تعويذتها قيد، قيد، قيد، ... النسوة يرتعشن من الخوف، عيونهن متسمرات على الزاحف الغريب، جلست سلّومة، سقطت من وقفتها، لم تستطع رجلاها حملها، هبّ الشايب حريمل من مكانه، قطع الطريق على الأفعى، ضربها ضربات محكمة على رأسها، التفت الأفعى حول نفسها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، أدخل العصا في منتصفها تماما ثم حملها ملقيا بها في الشمس .
زهران القاسمي


 

المحاكاة في الفن التشكيلي

قدم منتجو الفنون التشكيلية عبر العصور ومن خلال المدارس الفنية العالمية أعمال فنية إبداعية تراوحت في أشكالها ومواضيعها ومضامينها وأساليبها الفنية، غير أن واحداً لم يستطع أن يغفل أهمية المحاكاة في مساعدة الفنان على الرؤية الصحيحة لعناصر العمل الفني، وتذوقه القائم على المقارنة بين العمل الفني والشيء المُحاكى في الطبيعة لتعطيه الأساس السليم والقوي للانطلاق إلى اتجاهاته الخاصة التي تشكل شخصيته الفنية فيما بعد . ويقصد بالمحاكاة في الفن كما يوضح الناقد جيروم ستولينتز بأنها "الترديد الأمين لموضوعات التجربة المعتادة، التي يدركها الإنسان ". ومن المتعارف عليه أن المحاكاة في الفن تعتبر نظرية قديمة بقدم الإنسان نفسه، وذلك عندما حاول الإنسان الأول تقليد أشكال الحيوانات وتصويرها على جدران كهفه، وفي عصر النهضة لاقت المحاكاة اهتماماً بالغاً في المدرسة الكلاسيكية الحديثة في عهد الثورة الفرنسية، وشجعت الفلسفات المادية أيضاً على الواقعية في تمثيل الطبيعة، وبالغ الانطباعيون بعد ذلك في محاكاة اللون في الظل والضوء، وأعقب ذلك الاتجاه إلى التأكيد على أهمية الشكل وثقله وموضعه نسبة إلى بقية الأشكال في العمل، فتحولت المعايير من مشابهة للواقع إلى معايير لها علاقة بالسمات المادية لعناصر العمل الفني .
وللمحاكاة في الفنون الجميلة ثلاث نظريات : الأولى المحاكاة البسيطة والثانية محاكاة الجوهر والثالثة محاكاة المثل الأعلى، وسأوضح التفاصيل العامة لهذه النظريات الثلاث من خلال ما أورده الكاتب هديل بسام في كتاب المدخل في علم الجمال، حيث يقول إن المقصود بنظرية المحاكاة البسيطة بأنها الترديد الحرفي الأمين لموضوعات التجربة المعتادة وحوادثها أي أن الشكل في العمل الفني ينبغي أن يشبه النموذج الأصلي خارج العمل، ولذلك فإن المعيار المستخدم للحكم على العمل الفني هو مدى مشابهته للواقع وكمثال على ذلك يقول الفنان العبقري ليوناردو دافنشي " أن أعظم تصوير هو الأقرب شبهاً إلى الشيء المصور " .. أما نظرية محاكاة الجوهر فهي تدل على الصفات أو الخصائص التي ينبغي أن يتصف بها شيء كي ينتمي إلى فئة معينة أو نوع معين، وتستخدم في الغالب كلمة جوهر للدلالة على ما هو عظيم الأهمية أو لا غنى عنه، ويؤكد أتباع هذه النظرية أن الفنان ينبغي أن يتوجه إلى الشيء الجوهري في الموضوع الذي أمامه ليؤكد عليه، وفي هذه الحالة لا يكون العمل مجرد نسخ للطبيعة بل يكون لكل عنصر من عناصر العمل الفني أهمية خاصة، بحيث لا يستطيع حذف أو استبعاد إي منها، وإلا تفكك العمل واختل، أما الشيء الذي لا يحدث غيابه فارقاً فليس من الضروري أن يكون ضمن عناصر العمل الفني ولذلك فإن قدرة الفنان تتجلى في تمييزه الصفات الجوهرية عن الصفات العرضية غير المهمة .
أما نظرية محاكاة المثل الأعلى فيقصد بها أن هناك موضوعات لائقة بالمحاكاة دون غيرها، هذه الموضوعات لا بد وأن تكون أخلاقية مهذبة، وتستحق المدح والاستحسان، بحيث تظهر العناصر في العمل الفني، ليست كما هي في الواقع وإنما كما يجب أن تكون ذات قيماً أخلاقية وجمالية، وكان الفيلسوف أرسطو أول من أكد على ذلك حينما رأى أن وظيفة الفنان هي تمثيل الأشياء كاملة مثالية هادفة بحيث تؤثر في النفس خلال التجربة الجمالية وتهذب المشاعر والسمات الفاضلة عند المدرك، وهذا المذهب أطلق عليه في القرن الثامن عشر مذهب (الطبيعة الجميلة) لكن نقاد هذه النظرية اعتبروها غير كافية حينما تركز فقط على أخلاقية الموضوع، دون العناصر الأخرى المهمة، لأن قيمة الموضوع وحدها لا تحدد قيمة العمل فقد يكون الموضوع رفيعاً لكن المستوى الفني للعمل متدن وهابط .


عبدالكريم الميمني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept